الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ أَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَسْتَقِرَّ الْوَصِيَّةُ وَمَاتَ الْمُوصِي، فَمِنْ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصِي لَهُمْ مُصَالَحَةٌ عَلَى وَجْهِ تَرْكِ الْمَيْلِ وَالْخَطَأِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُنْتَظَرًا لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الْجَنَفِ وَالْإِثْمِ مَاضِيًا مُسْتَقِرًّا، فَصَحَّ أَنْ يُعَلِّقَهُ تَعَالَى بِالْخَوْفِ وَزَوَالِ الْيَقِينِ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ يُمْكِنُ أَنْ تُذْكَرَ فِي مَعْنَى الْخَوْفِ وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَقْوَى.
الْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ قوله تَعَالَى: (فَمَنْ خافَ) أَيْ فَمَنْ عَلِمَ وَالْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ يُسْتَعْمَلَانِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَوْفَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْ ظَنٍّ مَخْصُوصٍ وَبَيْنَ الْعِلْمِ وَبَيْنَ الظَّنِّ مُشَابَهَةٌ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَلِهَذَا صَحَّ إِطْلَاقُ اسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا أَخْطَأَ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ جَارَ فِيهَا مُتَعَمِّدًا فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيَرُدَّهُ إِلَى الصَّلَاحِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
فِيهِ أَيْضًا سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَا يَجُوزُ، أَمَّا هَذَا الْإِصْلَاحُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الطَّاعَاتِ فَكَيْفَ بِهِ هَذَا الْكَلَامُ وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَنْبِيهِ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى كَأَنَّهُ قَالَ أَنَا الَّذِي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ ثُمَّ أَرْحَمُ الْمُذْنِبَ فَبِأَنْ أُوصِلَ رَحْمَتِي وَثَوَابِي إِلَيْكَ مَعَ أَنَّكَ تَحَمَّلْتَ الْمِحَنَ الْكَثِيرَةَ فِي إِصْلَاحِ هَذَا الْمُهِمِّ كَانَ أَوْلَى.
وَثَانِيهَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الْمُوصِيَ الَّذِي أَقْدَمَ عَلَى الْجَنَفِ وَالْإِثْمِ مَتَى أُصْلِحَتْ وَصِيَّتُهُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَغْفِرُ لَهُ وَيَرْحَمُهُ بِفَضْلِهِ.