الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى نَدَبَ إِلَى الْعَفْوِ عَنِ الْقَاتِلِ، وَالنَّدْبُ إِلَى الْعَفْوِ إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)
زِيَادَةٌ فِي تَوْكِيدِ وُجُوبِهِ، فَقَوْلُهُ: (حَقًّا) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أَيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
«فَإِنْ قِيلَ» : ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذَا التَّكْلِيفِ بِالْمُتَّقِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
فَالْجَوَابُ: مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) أَنَّهُ لَازِمٌ لِمَنْ آثَرَ التَّقْوَى، وَتَحَرَّاهُ وَجَعَلَهُ طَرِيقَةً لَهُ وَمَذْهَبًا فَيَدْخُلُ الْكُلُّ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى الْمُتَّقِينَ، وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ وَالتَّكَالِيفَ عَامَّةٌ فِي حَقِّ الْمُتَّقِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَدْخُلُ الْكُلُّ تَحْتَ هَذَا التَّكْلِيفِ
(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)
اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْقِصَاصَ وَكَانَ الْقِصَاصُ مِنْ بَابِ الْإِيلَامِ تَوَجَّهَ فِيهِ سُؤَالٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يَلِيقُ بِكَمَالِ رَحْمَتِهِ إِيلَامُ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ؟
فَلِأَجْلِ دَفْعِ هَذَا السُّؤَالِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ حِكْمَةَ شَرْعِ الْقِصَاصِ فَقَالَ: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْآيَةِ وُجُوهٌ: