وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وَمَعْنَاهُ: لَكِنْ بِسُيُوفِهِمْ فُلُولٌ وَلَيْسَ بِعَيْبٍ وَيُقَالُ مَا لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ إِلَّا التَّعَدِّي يَعْنِي لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى وَيَظْلِمُ، وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنِّي لَا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) [النَّمْلِ: 10، 11] وَقَالَ: (لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) [هُودٍ: 43] وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ عَادَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: زَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ (إِلَّا) بِمَعْنَى الْوَاوِ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ وَلِلَّذِينِ ظَلَمُوا وَأَنْشَدَ:
وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ
يَعْنِي: وَالْفَرْقَدَانِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَ قُطْرُبٌ: مَوْضِعُ الَّذِينَ خَفْضٌ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي عَلَيْكُمْ كَأَنَّهُ قِيلَ: لِئَلَّا يَكُونَ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإِنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَهُمُ الْكُفَّارُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: هَذَانِ الْوَجْهَانِ بَعِيدَانِ.
(وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(150)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ عِنْدَ قُرْبِ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) [الْمَائِدَةِ: 3] فَبَيَّنَ أَنَّ تَمَامَ النِّعْمَةِ إِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَكَيْفَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) ؟
قُلْنَا: تَمَامُ النِّعْمَةِ اللَّائِقَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ هُوَ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «تَمَامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الْجَنَّةِ»
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَامُ النِّعْمَةِ الْمَوْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ.