[البقرة: 148] أَيْ لِكُلِّ صَاحِبِ دَعْوَةٍ وَمِلَّةٍ قِبْلَةٌ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا فَتَوَجَّهُوا أَنْتُمْ إِلَى أَشْرَفِ الْجِهَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا حَقٌّ وَذَلِكَ هُوَ قوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) .
وَالثَّالِثُ مَقْرُونٌ بِقَطْعِ اللَّهِ تَعَالَى حُجَّةَ مَنْ خَاصَمَهُ مِنَ الْيَهُودِ فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ فَكَانَتْ هَذِهِ عِلَلًا ثَلَاثًا قُرِنَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَمْرٌ بِالْتِزَامِ الْقِبْلَةِ نَظِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: الْزَمْ هَذِهِ الْقِبْلَةَ فَإِنَّهَا الْقِبْلَةُ الَّتِي كُنْتَ تَهْوَاهَا، ثُمَّ يقال: ألزم هذه القبلة فإنها قبلة الْحَقُّ لَا قِبْلَةَ الْهَوَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) ثُمَّ يُقَالُ: الْزَمْ هَذِهِ الْقِبْلَةَ فَإِنَّ فِي لُزُومِكَ إِيَّاهَا انْقِطَاعَ حُجَجِ الْيَهُودِ عَنْكَ، وَهَذَا التَّكْرَارُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَالتَّكْرَارِ فِي قوله تَعَالَى: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) [الرَّحْمَنِ: 12] وَكَذَلِكَ مَا كُرِّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [الشُّعَرَاءِ: 174] .
وَالْجَوَابُ الْخَامِسُ: أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ أَوَّلُ الْوَقَائِعِ الَّتِي ظَهَرَ النَّسْخُ فِيهَا فِي شَرْعِنَا فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّكْرَارِ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ وَإِيضَاحِ الْبَيِّنَاتِ.
(لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(150)
هَاهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ شُبْهَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهَا عَنِ الْحُجَّةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُمْكِنُ دَفْعُ السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ.