فَيَكُونُ الْمَرْءُ وَاهِبًا نَفْسَهُ لِهَذَا الْأَمْرِ بِإِذْلَالِهَا، وَذَكَرَ الْوَجْهَ وَأَرَادَ بِهِ نَفْسَ الشَّيْءِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَإِذْلَالِ النَّفْسِ فِي طَاعَتِهِ وَتَجَنُّبِ مَعَاصِيهِ، وَمَعْنَى (لِلَّهِ) أَيْ: خَالِصًا لِلَّهِ لَا يَشُوبُهُ شِرْكٌ، فَلَا يَكُونُ عَابِدًا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، أَوْ مُعَلِّقًا رَجَاءَهُ بِغَيْرِهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِ إِلَّا إِذَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْقُرْبَةِ.
(وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ ...(113)
قَوْلُهُ: (لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ) أَيْ عَلَى شَيْءٍ يَصِحُّ وَيُعْتَدُّ بِهِ وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: أَقَلُّ مِنْ لا شيء ، ونظيره قوله تَعَالَى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ) [الْمَائِدَةِ: 68] .
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ قَالُوا ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَا يُثْبِتَانِ الصَّانِعَ وَصِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَذَلِكَ قَوْلٌ فِيهِ فَائِدَةٌ؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ لَمَّا ضَمُّوا إِلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ قَوْلًا بَاطِلًا يُحْبِطُ ثَوَابَ الْأَوَّلِ، فَكَأَنَّهُمْ مَا أَتَوْا بِذَلِكَ الْحَقِّ.
الثَّانِي: أَنْ يُخَصَّ هَذَا الْعَامُّ بِالْأُمُورِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فيه، وَهِيَ مَا يَتَّصِلُ بِبَابِ النُّبُوَّاتِ.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ(114)