الْجَوَابُ: أَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يُعَلَّقُ بِهَا الْأَمْرُ إِذَا كَانَتْ لَا تُعْلَمُ إِلَّا شَرْعًا لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ الْوَارِدُ شَرْعًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَيَحِلُّ مَحَلَّ قَوْلِهِ: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) إِلَى أن أنسحه عَنْكُمْ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ وَالْكُفَّارُ كَانُوا أَصْحَابَ الشَّوْكَةِ وَالْقُوَّةِ وَالصَّفْحُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ قُدْرَةٍ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يُنَالُ بِالْأَذَى فَيَقْدِرُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قَبْلَ اجْتِمَاعِ الْأَعْدَاءِ أَنْ يَدْفَعَ عَدُوَّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِأَصْحَابِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ كَيْ لَا يُهَيِّجُوا شَرًّا وَقِتَالًا.
الْقَوْلُ الثَّانِي: فِي التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) حَسُنَ الِاسْتِدْعَاءُ، وَاسْتُعْمِلَ مَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنَ النُّصْحِ وَالْإِشْفَاقِ وَالتَّشَدُّدِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ نَسْخُهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ.
(وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(111)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ قِيلَ: كَانَ هُودًا، عَلَى تَوْحِيدِ الِاسْمِ، وَجَمْعِ الْخَبَرِ؟
قُلْنَا: حُمِلَ الِاسْمُ عَلَى لَفْظِ (مَنْ) وَالْخَبَرُ عَلَى مَعْنَاهُ كَقِرَاءَةِ الْحَسَنِ:"إِلَّا مَنْ هُوَ صالُ الْجَحِيمِ" [بضم اللام من (صالُ) ] [الصافات: 163] وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ:"إِلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا"
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ قَالَ: (تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ) وَقَوْلُهُمْ: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أَمْنِيَّةٌ وَاحِدَةٌ؟
قُلْنَا: أُشِيرَ بِهَا إِلَى الْأَمَانِيِّ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ أُمْنِيَّتُهُمْ أَنْ لَا يَنْزِلَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُمْنِيَّتُهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُمْ كُفَّارًا، وَأُمْنِيَّتُهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، أَيْ: تِلْكَ الْأَمَانِيُّ الْبَاطِلَةُ (أَمَانِيُّهُمْ) .