الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يُكَفَّرُ بِهَا إِلَّا الْكَافِرُ الْمُتَجَاوِزُ عَنْ كُلِّ حَدٍّ فِي كَفْرِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ لَمَّا كَانَتْ بَيِّنَةً ظَاهِرَةً لَمْ يَكْفُرْ بِهَا إِلَّا الْكَافِرُ الَّذِي يَبْلُغُ فِي الْكُفْرِ إِلَى النِّهَايَةِ الْقُصْوَى وَتَجَاوَزَ عَنْ كُلِّ حد مستحسن في العقل والشرع.
(أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(100)
إِنَّمَا قَالَ: (نَبَذَهُ فَرِيقٌ) لِأَنَّ فِي جُمْلَةِ مَنْ عَاهَدَ مَنْ آمَنَ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْمِنَ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِفَةَ جَمِيعِهِمْ خَصَّ الْفَرِيقَ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْفَرِيقَ هُمُ الْأَقَلُّونَ بَيَّنَ أَنَّهُمُ الْأَكْثَرُونَ فَقَالَ: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) وَفِيهِ قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ: أَكْثَرُ أُولَئِكَ الْفُسَّاقِ لَا يُصَدِّقُونَ بِكَ أَبَدًا لِحَسَدِهِمْ وَبَغْيِهِمْ.
وَالثَّانِي: لَا يُؤْمِنُونَ: أَيْ لَا يُصَدِّقُونَ بِكِتَابِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي قَوْمِهِمْ كَالْمُنَافِقِينَ مَعَ الرَّسُولِ يُظْهِرُونَ لَهُمُ الْإِيمَانَ بِكِتَابِهِمْ ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه.
(وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(101)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَصِحُّ نَبْذُهُمُ التَّوْرَاةَ وَهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِها؟
قُلْنَا: إِذَا كَانَ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّعْتِ وَالصِّفَةِ وَفِيهِ وُجُوبُ الْإِيمَانِ ثُمَّ عَدَلُوا عَنْهُ كَانُوا نَابِذِينَ لِلتَّوْرَاةِ.