فَجَعَلَ الْأَوَّلَ مَا ظَهَرَ فِي الْأُكْمِ مِنْ أَثَرِ الْحَوَافِرِ مَعَ عَدَمِ امْتِنَاعِهَا مِنْ دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهَا كَالسُّجُودِ مِنْهَا لِلْحَوَافِرِ، وَكَذَلِكَ
الثَّانِي: جَعَلَ مَا ظَهَرَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ آثَارِ الْجَزَعِ كَالْخُشُوعِ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَأَوَّلَ أَهْلُ النَّظَرِ قَوْلَهُ تَعَالَى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الْإِسْرَاءِ: 44] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[النَّحْلِ: 49] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) [الرَّحْمَنِ: 6] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي التَّأْوِيلِ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) أَيْ وَمِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَنْزِلُ وَمَا يَنْشَقُّ وَيَتَزَايَلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، عِنْدَ الزَّلَازِلِ مِنْ أَجْلِ مَا يُرِيدُ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ عِبَادِهِ لَهُ وَفَزَعِهِمْ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ إِهْبَاطِ الْأَحْجَارِ فِي الزَّلَازِلِ الشَّدِيدَةِ أَنْ تَحْصُلَ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ صَارَتْ تِلْكَ الْخَشْيَةُ كَالْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْهُبُوطِ، فَكَلِمَةُ «مِنْ» لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَقَوْلُهُ: (مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) أَيْ بِسَبَبِ أَنْ تَحْصُلَ خَشْيَةُ اللَّهِ فِي الْقُلُوبِ،
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ الْجُبَّائِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ فَسَّرَ الْحِجَارَةَ بِالْبَرْدِ الَّذِي يَهْبِطُ مِنَ السَّحَابِ تَخْوِيفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ لِيَزْجُرَهُمْ بِهِ.