قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عِبَادَةٌ، بَيَانُهُ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَصِيرُ بِالْمُوَاضَعَةِ مُفِيدًا كَالْقَوْلِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ قِيَامَ أَحَدِنَا لِلْغَيْرِ يُفِيدُ مِنَ الْإِعْظَامِ ما يفيده القول وما ذاك إلا للعبادة وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ سُقُوطُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَرْضِ وَإِلْصَاقُهُ الْجَبِينَ بِهَا مُفِيدًا ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِبَادَةً وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ إِظْهَارًا لِرِفْعَتِهِ وَكَرَامَتِهِ.
* «فَإِنْ قِيلَ» : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: (كانَ مِنَ الْجِنِّ) فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَانَ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أَيْ كان خازن الجنة سلمنا ذلك لكن لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (مِنَ الْجِنِّ أَيْ صَارَ مِنَ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ صَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ سَلَّمْنَا أَنَّ مَا ذَكَرْتَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ فَلِمَ قُلْتَ إِنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْجِنِّ يُنَافِي كَوْنَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْآيَةِ مُعَارَضٌ بِآيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) [الصَّافَّاتِ: 158] وَذَلِكَ لِأَنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ فهذه الآية تدل على أن الملك يمسي جِنًّا؟
وَالْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (كانَ مِنَ الْجِنِّ) أَنَّهُ كَانَ خَازِنَ الْجَنَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ يُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ تَرْكِهِ لِلسُّجُودِ لِكَوْنِهِ جِنِّيًّا وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُ تَرْكِ السُّجُودِ بِكَوْنِهِ خَازِنًا لِلْجَنَّةِ فَيُبْطِلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ
(كانَ مِنَ الْجِنِّ) أَيْ صَارَ مِنَ الْجِنِّ.