قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: كَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ حُلُّوا وَثَاقَهُ وَأَعْطُوهُ مِنَ الْمَالِ كَذَا
«ج» يُحْكَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَاءُوا إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِيُنَاظِرُوهُ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَيُبَكِّتُوهُ وَيُشَنِّعُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: لَا يُمْكِنُنِي مُنَاظَرَةُ الْجَمِيعِ فَفَوِّضُوا أَمْرَ الْمُنَاظَرَةِ إِلَى أَعْلَمِكُمْ لِأُنَاظِرَهُ فَأَشَارُوا إِلَى وَاحِدٍ فَقَالَ: هَذَا أَعْلَمُكُمْ؟
قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: وَالْمُنَاظَرَةُ مَعَهُ كَالْمُنَاظَرَةِ مَعَكُمْ؟
قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: وَالْإِلْزَامُ عَلَيْهِ كَالْإِلْزَامِ عَلَيْكُمْ؟
قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: وَإِنْ نَاظَرْتُهُ وَأَلْزَمْتُهُ الْحُجَّةَ فَقَدْ لَزِمَتْكُمُ الْحُجَّةُ؟
قَالُوا: نَعَمْ
قَالَ: كَيْفَ؟
قَالُوا: لِأَنَّا رَضِينَا بِهِ إِمَامًا فَكَانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَنَا قَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ فَنَحْنُ لَمَّا اخْتَرْنَا الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ قِرَاءَةً لَنَا وَهُوَ يَنُوبُ عَنَّا فَأَقَرُّوا لَهُ بِالْإِلْزَامِ.
«د» هجا الفرزدق واحدا «1» فَقَالَ: لَقَدْ ضَاعَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ ... كَمَا ضَاعَ دُرٌّ عَلَى خَالِصَةْ
وَكَانَتْ خَالِصَةُ مَعْشُوقَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَتْ ظَرِيفَةً صَاحِبَةَ أَدَبٍ وَكَانَتْ هَيْبَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَفُوقُ هَيْبَةَ الْمَرْوَانِيِّينَ فَلَمَّا بَلَغَهَا هَذَا الْبَيْتُ شَقَّ عَلَيْهَا فَدَخَلَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ وَشَكَتِ الْفَرَزْدَقَ فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ بِإِشْخَاصِ الْفَرَزْدَقِ عَلَى أَفْظَعِ الْوُجُوهِ مُكَبَّلًا مُقَيَّدًا فَلَمَّا حَضَرَ وَمَا كَانَ بِهِ مِنَ الرَّمَقِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا يُقِيمُهُ عَلَى الرِّجْلِ مِنْ شِدَّةِ الْهَيْبَةِ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنْتَ الْقَائِلُ: لَقَدْ ضَاعَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ ... كَمَا ضَاعَ دُرٌّ عَلَى خَالِصَةْ
فَقَالَ مَا قُلْتُهُ هَكَذَا وَإِنَّمَا غَيَّرَهُ عَلَيَّ مَنْ أَرَادَ بِي مَكْرُوهًا وَإِنَّمَا قُلْتُ: وَخَالِصَةُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ: