والحجة لمن قرأ بين ذلك: أنه عدل بين اللغتين فأخذ بأحسن اللفظين. فأمّا إمالة (الكسائي) رحمه الله قوله تعالى: (فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ) . فإن كان أماله سماعا من العرب فالسؤال عنه ويل، وإن كان أماله قياسا فقد وهم، لأن ألف الجمع في أمثال هذا لا تمال، ويلزمه على قياسه أن يميل قوله:(أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ، وإمالة هذا محال فإن قيل: فقد أمال غيره: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ فقل: قد عرّفناك رغبة العرب
في إمالة ذوات الراء حتى أمالوا «برى وترا» ). وكذلك فرّق (أبو عمرو) بين ذوات الراء وبين غيرها، واللفظ بهما واحد، فقرأ مِنْ أَصْوافِها بالتفخيم وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها بالإمالة.
قوله تعالى: (بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) . يقرأ بالإمالة والتفخيم. وبينهما، وكذلك ما ضارعه من ذوات الياء اسما كان أو فعلا). فمن فخّم فالحجة له: أنه أتى بالكلام على أصل ما وضع له. والحجة لمن أمال: أنه قرّب الحرف المستعلى من الياء ليعمل لسانه بالنطق من موضع واحد. والحجة لمن قرأ «بين بين» : أنه ساوى بين اللفظين. فأمّا (حمزة) فأمال ذوات الياء، وفخم ذوات الواو، ليفرّق بين المعنيين.
قوله تعالى: (مَشَوْا فِيهِ) . قرأ ابن كثير بإشباع كسرة الهاء، ووصلها بالياء، وكذلك كل هاء قبلها.
فإن كان قبل الهاء حرف مفتوح أو ساكن ضم الهاء، ووصلها بواو نحو: «فقدّر هو» ). «فلما كشفنا عنه ضرّهو» . والحجة له في ذلك أن الهاء حرف خفي، فقوّاه بحركته وحرف من جنس الحركة. وقرأ الباقون بإشارة إلى الضم والكسر من غير إثبات حرف بعد الهاء. والحجة لهم في ذلك: أنهم كرهوا أن يجمعوا بين حرفين ساكنين ليس بينهما حاجز إلا الهاء، وهي حرف خفيّ، فأسقطوه،
وبقّوا الهاء على حركتها، وأصل حركتها الضم، وإنما يكسر إذا جاوز بها الهاء. وربما تركت على ضمها وقبلها الياء.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . قرأه حمزة بإشباع فتح الشين، ووقفة على الياء قبل الهمزة. وكذلك يفعل بكل حرف سكن قبل الهمزة. والحجة له في ذلك:
أنه أراد صحة اللفظ بالهمزة، وتحقيقها على أصلها، فجعلها كالمبتدإ. وسهل ذلك عليه أنها في حرف (عبد الله) مكتوبة في السواد (شائ) بألف.