سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب الكعبة، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} متفق عليه.
وسنذكر بعض المواقف من مواقف أبطالِ الشَّامِ وشهدائها التي لا تُعد ولا تحصى، ويكفيهم فخرًا وعزًا وكرامة، وقوفهم أمام أعتى طائفة في الكفر والردة والظلم والطغيان بعد عقود من الذل والهوان، ومن هذه المواقف المشرفة؛ موقف الشهيد سيف الله الشيشاني وإقدامه واقتحامه لسجن حلب المركزي واستشهاده فيه، حاملًا هم أسارى المسلمين عاملا بهذا الهم، فقد باشر الاقتحام بنفسه وكان من أوائل الشهداء؛ رحمه الله. ومنها موقف أبي صهيب الحمصي، شابٌّ صغير في السن كبيرٌ في القدر لا يتجاوز عمره السبعة عشر ربيعا، كان من أوائل الذين اقتحموا على الشيخ سليمان وعندما طُلب منه أن يكون في مجموعة الإسناد بكى، وقال: ما خرجت إلا لأقتل في سبيل الله فأصر واقتحم مع مجموعة الاقتحام فقتل؛ رحمه الله.
عَنْ أَبِي هريرة، قَالَ: قَالَ رسول الله -عليه واله الصلاة والسلام-: (والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) ] رواه مسلم [.
قال النووي: (فيه فضيلة الغزو والشهادة، وفيه تمني الشهادة والخير وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات) .
فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعظم خلق الله يتمنى الشهادة في سبيل الله، يا الله! هذا حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، سيد ولد آدم، إمام المجاهدين والمتقين يتمنى أن يكون شهيدا، بل إنه تمنى أن يقتل في سبيل الله أكثر من مرة، فأي فضل عظيم للشهادة في سبيل الله، هذه أمنية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي أن يخرج من هذه الدنيا من باب الشهادة في سبيل الله.
قال أبو اليد الباجي؛ رحمه الله: (وقد تمنى -صلى الله عليه وسلم- إعلاما بدرجة الشهادة وتحريضا لأمته عليها وإعلاما لهم بما فيها) .