عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن أم الربيع بنت البراء -وهي أم حارثة بن سراقة- أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا نبي الله! ألا تحدثني عن حارثة؟ -وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء فقال: (يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)
قال الله تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ? سيهديهم ويصلح بالهم ? ويدخلهم الجنة عرفها لهم} .
قال سيد قطب؛ رحمه الله: (لن يضل أعمالهم، في مقابل ما جاء عن الذين كفروا أنه أضل أعمالهم، فهي أعمال مهتدية واصلة مربوطة إلى الحق الثابت الذي صدرت عنه، وانبعثت حماية له، واتجاها إليه، وهي باقية من ثم لأن الحق باق لا يهدر ولا يضيع، ثم نقف أمام هذه الحقيقة الهائلة، حقيقة حياة الشهداء في سبيل الله، فهي حقيقة مقررة من قبل في قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} . ولكنها تعرض هنا عرضا جديدا، تعرض في حالة امتداد ونماء في طريقها الذي غادرت الحياة الدنيا وهي تسلكه وتتوخاه: طريق الطاعة والهداية والتجرد والنقاء:
{سيهديهم ويصلح بالهم} : فالله ربهم الذي قتلوا في سبيله، يظل يتعهدهم بالهداية -بعد الاستشهاد -ويتعهدهم بإصلاح البال، وتصفية الروح من بقية أوشاب الأرض؛ أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه، وإشراقه وسناه، فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبين، وهي حياة يتعهدها الله ربها في الملأ الأعلى، ويزيدها هدى، ويزيدها صفاء، ويزيدها إشراقا، وهي حياة نامية في ظلال الله، وأخيرا يحقق لهم ما وعدهم: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} . ا. ه
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (عُرِضَ عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة؛ شهيد، وعفيف متعفف، وعبد أحسن عبادة الله ونصح لمواليه) ] رواه الترمذي وحسنه [.