قال الشيخ أبو يحيى الليبي؛ رحمه الله: (وإن من أعظم ما ذُقنا ورأينا في ساحات الجهاد من الآلام المرّة والأحزان الثقيلة؛ فراقَ الأحبة ووداع الرفقة وغياب الأصحاب، وإن حزننا ليس على قتلهم وذهابهم فحسب، فإنا لنرجو أن يكونوا قد نالوا الشرف الذي سعوا إليه وحرصوا عليه، وإنما حزننا على أننا خلفنا بعدهم وبقينا وراءهم) ا. ه
إن كثيرًا من إخواني الشهداء الذين عاشرتهم في أرض الشام من المهاجرين والأنصار لم يفارقوا فؤادي ولم يغيبوا عن بالي منذ أن فارقوا الدنيا وفاضت أرواحهم في سبيل مرضاة ربهم -نحسبهم والله حسيبهم- فوفاءً لهم بحق الأخوة في درب الجهاد أكتبُ هذه الكلمات؛ فهؤلاء الشهداء أصحابُ الأخلاقِ الرفيعة؛ شرفني الله بمعرفة بعضهم ومنَّ الله على بأن تكحلت عيني برؤية وجوههم، من المهاجرين الغرباء عن أهلهم وأوطانهم، غربة في الدين وغربة الدنيا، من الذين تركوا أهليهم وأوطانهم وتركوا الدنيا ورائهم وجاءوا من كل أرض يبتغون ما عند الله من الأجر العظيم، قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم} .
والأنصار، وما أدراك من هم الأنصار! كرمٌ ليس بعده كرم؛ إيثارٌ وإخاءٌ وصدق: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} .
وأكثر ما يشدني إلى كتابة هذه الصفحات وفاءً لهؤلاء العظماء؛ هو ذودهم عن دينهم واسترخاصهم لأرواحهم في سبيل الله، ولا شك أن سيرهم وبطولاتهم تستحق أن تملأ الآفاق، فهؤلاء الأبطال الذين سجلوا في سجلات البطولة أسماءهم وسطروا التاريخ بدمائهم، نفوسهم أبية، أرواحهم زكية، أبت العيش في هذه الدنيا الدنية، رفضت الذل والهوان، ومضوا على هذا الدرب حتى ينالوا إحدى الحسنين كما قال الله تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون} .
وقال الله تعالى مبينًا فضل الشهادة في سبيله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ? فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ? يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} .