ومات ولم يوفه، وأما من أدان في حق واجب كفاقة وعسر ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه عن الجنة -إن شاء الله تعالى- شهيدًا كان أو غيره، لأن على السلطان فرضًا أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات أو من سهم الغارمين أو من الفيء الراجع على المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (من ترك دينًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالًا فلورثته) ... ). ا. هـ كلام القرطبي.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى) [رواه البخاري] .
قال الشوكاني؛ رحمه الله: (ووجه الاستدلال بأحاديث الباب على عدم جواز خروج المديون إلى الجهاد بغير إذن غريمه أن الدين يمنع من فائدة الشهادة وهي المغفرة العامة، وذلك يبطل ثمرة الجهاد، ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة بل هو شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدين، وغفران ذنب واحد يصح جعله ثمرة للجهاد فكيف بمغفرة جميع الذنوب إلا واحدا منها؟! فالقول بأن ثمرة الشهادة مغفرة جميع الذنوب ممنوعٌ، كما أن القول بأن عدم غفران ذنب واحد يمنع من الشهادة ويبطل ثمرة الجهاد ممنوع أيضا، وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بأذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببًا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان ... ) إلخ. وللاستزادة راجع كتاب (نيل الأوطار) .
والذي عليه عدد من العلماء في زماننا، أن الجهاد في عصرنا هذا فرض عين على كل مسلم مكلف قادر. ويراجع في ذلك رسالة الشيخ الإمام عبد الله عزام -رحمه الله- (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان) ، فمن مشى على هذا لم يلزمه استئذان صاحب الدين، وكذلك من جاهد غازيًا لبلده أو صائلًا فيها كشامي يدفع النصيرية اليوم، مقتضى كلام العلماء أن هذا لا يلزمه إذن صاحب الدين، ولا يقدم الاشتغال بسداده على جهاد عدوه.
فلا يمتحنهم منكر ونكير، ولا يتعرضون للسؤال. عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) [رواه النسائي] .