الصفحة 22 من 36

إن الحياة البرزخية التي أخبر الله بها عن الشهداء نؤمن بها كما ذكرها الله -تعالى- ولا ندرك حقيقتها، وقد اختلف في حياة الشهداء عند ربهم: فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكن لا ندركها، وذهب أكثر العلماء إلى أنهم في الجنة، وقد تكاثرت بذلك الأحاديث، وهم يعيشون حياة برزخية لا نعلم كيفيتها ولا كُنهها، ولا تحتاج إلى أكل، وشرب، وهواء؛ ولهذا قال تعالى: {ولكن لا تشعرون} أي: لا تشعرون بحياتهم؛ ولا بما هم به من نعيم لا ينفذ أبدا.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته:

إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركان

هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتا ذاك في القرآن

هذا وأن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدان

لكنه مع ذلك حيّ فارح ... مستبشر بكرامة الرحمن

قال القرطبي؛ رحمه الله: (وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه وأن حياة الشهداء محققة ... وصار قوم إلى أن هذا مجاز والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعيم في الجنة ... وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون، وهذا هو الصحيح من الأقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع ... ) ] الجامع لأحكام القرآن[.

وقال رحمه الله: (قال علماؤنا: أحوال الشهداء طبقات مختلفة ومنازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون) .

وقال النووي في حديث: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل) قال: (فيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة وهو مذهب أهل السنة وهي التي أهبط منها آدم وهي التي ينعم فيها المؤمنون ف ي الآخرة هذا إجماع أهل السنة ... ) وقال: ("فقال لهم الله تعالى هل تشتهون شيئًا ... الخ": هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيدًا على ما أعطاهم فسألوه حين رأوه أنه لا بد من سؤال أن يرجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا ويبذلوا أنفسهم في سبيل الله تعالى ويستلذوا بالقتل في سبيله والله أعلم) اهـ] من مسلم للنووي [.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت