كل ابن آدم كتب عليه الموت في هذه الحياة الدنيا الفانية إلا الشهداء فإنهم لا يقال لهم أموات بل ينتقلون إلى الحياة الأبدية، حياة النعيم والسعادة والفرح والسرور. والشهادة في سبيل الله أمرها عظيم؛ فالشهداءُ عند ربهم لهم أجرهم ولهم فضلهم، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأرواحهم في جوف طير خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء، ويغفرُ للشهيدِ جميع ذنوبه وخطاياه، وهو آمن من الفزع الأكبر، ويشفع في أهل بيته، ولا يجد كرب الموت ولا يحس ألم القتل إلا كحس القرص، قال ابن كثير في تفسيره: (فيخبر الله تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار؛ فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار) . ا. ه
ولا شيء أعزّ على الإنسان من الحياة، إلا من بلغ به إيمانه بالله تعالى وحده أن علا على كل شيء، وراغم أعداءه، فعندئذ تأبى نفسه أن ترى أعداء الله على وجه الأرض يحكمون البشرية بأهوائهم وبالقوانين الوضعية؛ فبذل نفسه وماله في سبيل الله، وقد جعل الله سبحانه لمن بذل نفسه في سبيله أعلى الرتب والدرجات وأشرفها، وذلك لأنه بذل أغلى ما عنده، فهنيئًا لمن رزقه الله تبارك وتعالى الشهادة في سبيله، قال سيد قطب؛ رحمه الله: (إن الشهداء لمختارون، يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه -سبحانه- فما هي رزيةٌ إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص، إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة، ليستخلصهم لنفسه -سبحانه- ويخصهم بقربه، ثم هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس، ويستشهدهم فيؤدون الشهادة، يؤدونها أداء لا شبهة فيه، ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله، يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق وتقريره في دنيا الناس، يطلب الله -سبحانه- منهم أداء هذه الشهادة، على أن ما جاءهم من عنده الحق، وعلى أنهم آمنوا به، وتجردوا له، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق، وعلى أنهم هم استيقنوا هذا، فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس، يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون، وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت، وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال!) ظلال القرآن. ا. ه
وقال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: (قال الله -تبارك وتعالى- لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- يرغب المؤمنين في ثواب الجنة ويهون عليهم القتل: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} أي قد أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه، وعن الضحاك قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوما كيوم بدر يبلون فيه خيرا ويرزقون فيه الشهادة ويرزقون فيه الجنة والحياة في الرزق، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء وهم الذين ذكرهم الله فقال {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ا. ه