وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة) .] متفق عليه[.
وقال النووي؛ رحمه الله: (هذا من صرائح الأدلة في عظيم فضل الشهادة) اهـ.
كما قال ابن بطال؛ رحمه الله: (هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة) وقال: (وليس في أعمال البر ما تبذل في النفس غير الجهاد فلذلك عظم فيه الثواب) اهـ.
ما الكرامة التي رآها الشهيد حتى تمنى هذه الأمنية؟ أعني أن يرجع الى الدنيا، ولماذا تمناها؟ من أجل أن يقتل مرة أخرى في سبيل الله. إن الشهيد يعلم بأن أجره من أعظم الأجور عند الله، ومنزلته في أعلى المنازل في الجنان ومكانته بلغت أرفع الأماكن في الفردوس، كيف لا، وقد قدم روحه رخيصة في سبيل الله تعالى لتحكيم شرعه ولتكون كلمة الله هي العليا، قال العز ابن عبد السلام: (وأفضل ما بذله الإنسان نفسه وماله، ولما كانت الأنفس والأموال مبذولة في الجهاد، جعل الله من بذل نفسه في أعلى رتب الطائعين وأشرفها، لشرف ما بذله، مع محو الكفر، ومحق أهله، وإعزاز الدين، وصون دماء المسلمين) ] من أحكام الجهاد وفضائله[.
وهكذا كان حال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن نهج نهجهم من الذين ساروا على هذا الدرب من أصحاب الجهاد؛ كانوا يتمنون القتل في سبيل الله وكانت لهم مواقف عجيبة تدل على شجاعتهم وفقههم بأحكام الدين، ومن هذه المواقف قال خالد بن الوليد: ما أدري من أي يومين أفر يوم أراد الله أن يهدي لي فيه شهادة أو من يوم أراد أن يهدي لي فيه كرامة.]من الجهاد لابن المبارك [.
ومن المواقف، قال سعد بن معاذ: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها.
ومنها فعل البراء بن مالك في معركة اليمامة، فإنه اُحتمل في تُرس على الرماح وألقي على العدو فقاتل حتى فتح الباب.
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: غاب عمي أنس بن النضر -رضي الله عنه- عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبله