الضرورات، فإنا لو جوزنا تقدير جملة بحيث وجود جملة، لم تكن جملة واحدة أولى من جمل، ويلزم على طرد ذلك تجويز وجود جملة أجزاء العالم في جزء خردلة، وهذا ينتهي إليه عافل.
على أنا نقول: إذا كنت تسوغ ما قلته، فما يؤمنك أن تكون الخردلة التي تشاهدها قد داخلتها أفراد جمل لو لم تتداخل، لكانت جبالا؟! ثم من جوز تداخل جملتين يجوز انفصالهما بعد تداخلهما. فإذا لزمك أن تكون الخردلة الواحدة قد داخلتها أجرام لا تحصى، فينبغي أن بجوز أن تنفصل منها الأجرام الكثيرة. ونحن نعلم أن من انتظر خروج أضعاف جبال العالم من خردلة من غير أن يحدث حادث فقد جحد البدائه.
ثم نقول: إذا قلمت جملة بيضاء بجملة سوداء، ورؤيتا في خير جملة واحدة أفترى بيضاء أم سوادا، أم ترى على الصفتين جميعًا؟
فأن زعم الخصم أنها ترى على الصفتين فقد جحد الضرورة، وإن زعم أنها ترى على إحدى الصفتين فليست إحداهما أولى من الأخرى.
فإن قال: السواد والبياض يتضادان، كان ذلك غير مستقيم. فإن العرضين إنما يتضادان على المحل، ولا يتضادان على المحلين، والجملتان، وإن تداخلتا، فهما جملتان، إذ لم تعدم إحداهما.
فإن تجاهل متجاهل، وزعم أن الجملتين صارتًا واحدة لا عن عدم إحداهما، كان ذلك أبعد من كل ما طولبوا به. فإنهم إذا أثبتوا جملتين لهما الوجود، ثم لم ينتف وجود إحداهما، فكيف ثبتت جملة، وانتفت أخرى؟
ثم نقول: هذا الجلمة المشاهدة هي الداخلة أو المدخول فيها، أم غير هما؟ أو