مما يؤكد أن دين المسلمين اليوم ليس هو الدين الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وكان سببا لظهورهم على الأمم، بل هو دين اختلط فيه الحق بالباطل، بل طمست فيه معالم الخطاب القرآني بتأويلات الخطاب السلطاني، الذي قام علماء السوء باختراعه، من أجل إضفاء الشرعية على كل انحراف تقوم به السلطة، حتى نجح الاستعمار نفسه في توظيف هذا الخطاب السلطاني في خدمة مخططاته الاستعمارية في أرض الإسلام باسم الإسلام.
فإذا الأمة تتقرب إلى الله بالاستسلام لعدوها، وترى ذلك من طاعة الله ورسوله، وهو ما لم يخطر على بال أعداء الأمة؛ أن يجدوا الطريق أمامهم مفتوحا باسم الدين والإسلام والقرآن؟!
لقد تولى كبر هذه الجريمة الأحبار والرهبان وعلماء السلطان الذين قال فيهم الإمام عبدالله بن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها؟!
لقد ظهر البون شاسعا والفرق واضحا، بين الخطاب القرآني، والخطاب السلطاني، في مضامينهما وغاية كل منهما وثمرتهما ...
فقد جاء الخطاب القرآني؛ ليحرر الخلق كافة من كل أشكال العبودية لغير الله تحت شعار"لا إله إلا الله"وليخرجهم من الظلمات إلى النور، كما في قوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} .
وجاء الخطاب السلطاني؛ اليوم ليعيد المسلمين إلى حظيرة العبودية بكل أشكالها، لخدمة الآلهة البشرية - الملوك والرؤساء - في الخضوع لهم وعدم الاعتراض عليهم، والتذلل بين يديهم، لكون طاعتهم من طاعة الله ورسوله، مهما حاربوا الله ورسوله أو صادروا أحكام القرآن و"حقوق الإنسان"؟! وبلغ تأله الأصنام البشرية أن نازعوا الله في أخص خصائص الربوبية، كما في قوله تعالى: {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون} ، {وله الحكم وإليه ترجعون} ، كما تنازعه الآلهة الحجرية - القبور والأضرحة - بأخص خصائص ألوهيته {وإياي فاعبدون} !