فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 114

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن للجدِّ في كلام العرب معنيين أحدهما الجدّ الذي هو أبو الأب، أو أبو الأم، وذلك غير جائز أن يوصف به هؤلاء النفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة، وذلك أنهم قد قالوا: {فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) } ومن وصف الله بأن له ولدًا أو جدًّا أو هو أبو أب أو أبو أمّ، فلا شكّ أنه من المشركين.

والمعنى الآخر: الجَدّ الذي بمعنى الحظ؛ يقال: فلان ذو جدّ في هذا الأمر: إذا كان له حظّ فيه، وهو الذي يُقال له بالفارسية: البَخْت، وهذا المعنى قصده هؤلاء النفر من الجنّ بقيلهم: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} إن شاء الله.

وإنما عَنَوا أن حظوته من المُلك والسلطان والقدرة والعظمة عالية، فلا يكون له صاحبة ولا ولد , وقد بين عن صحة ما قلنا في ذلك إخبار الله عنهم أنهم إنما نزهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد بقوله: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) } يقال منه: رجل جدّي وجديد ومجدود: أي ذو حظّ فيما هو فيه". [1] "

الدراسة:

اختار الإمام ابن جرير من الأقوال السابقة في معنى {جَدُّ رَبِّنَا} قول من قال: عني بذلك: تعالت عظمة ربنا وقدرته وسلطانه، وهو قول عكرمة ومجاهد وقتادة ـ رحمهم الله ـ، واستبعد قول جهلة الجن بأن المعنى هو أب الأب، وقال إن من وصف الله بأن له والدا أو جدا فلا شك أنه من المشركين)، واختياره ـ رحمه الله ـ هو الأظهر إذ أن معنى (جَدُّ) في اللغة: العظمة والجلال ; ومنه قول أنس:"كان"

(1) ـ الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن،) 23/ 317 (.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت