وأشبه القولين بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، القول الذي ذُكر عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، وذلك أن قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) } ينبئ أنه إنما نهى عن تحريك اللسان به متعجلا فيه قبل جمعه، ومعلوم أن دراسته للتذكر إنما كانت تكون من النبيّ صلى الله عليه وسلم من بعد جمع الله له ما يدرس من ذلك". [1] "
الدراسة:
ذكر الإمام الجليل ابن جرير الطبري اختلاف أهل التأويل في سبب نزول قال تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) } ، بين من قال إنها نزلت لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا أنزل عليه قبل فراغ جبريل ــ عليه السلام ــ من قراءة الوحي حرصا على أن يحفظه، والقول الآخر في كثرة تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم مخافة نسيانه، ورجح القول الأول مبديا السبب في ترجيحه له.
وبالنسبة لما جاء في كتب التفاسير الأخرى بشأن سبب نزول هذه الآيات، فلم يتعرض ابن كثير للقول الثاني في تفسيره، ولا القرطبي، ولا البغوي، ولا صاحب فتح القدير؛ مما ينبئ باختيار الجمهور للقول الأول الذي رجحه الطبري في تفسيره. وهو الأظهر والله أعلم.
وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم، بأن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد أو الاستحسان، ألا يبادر برده أو قبوله، حتى يفرغ من ذلك الكلام، ليتبين ما فيه من حق أو باطل.
(1) ـ الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (23/ 486) .