كان جامع الزيتونة مصنعًا لرجال أفذاذ قادوا حياة شعوبهم قبل أن يقودوا حياتهم، في وقت اضطربت فيه معالم الحياة، فكانوا منارات للهدى وعلامات لطريق السداد. و"محمد الطاهر بن عاشور"هو أحد أعلام هذا الجامع، ومن عظمائهم المجددين. قضى حياته المديدة التي زادت على 90 عامًا جهادًا في طلب العلم، وجهادًا في كسر وتحطيم أطواق الجمود والتقليد التي قيدت العقل المسلم عن التفاعل مع القرآن الكريم والحياة المعاصرة.
ولقد أحدثت آراؤه نهضة في علوم الشريعة والتفسير والتربية والتعليم والإصلاح، وكان لها أثرها البالغ في استمرار"الزيتونة"في العطاء والريادة [1] .
وقد تركزت اهتماماته بالخصوص على إصلاح التعليم الزيتوني، فألف كتابه «أليس الصبح بقريب؟» ضمَّنه رؤيته للإصلاح، وحدد فيه أسباب تخلف العلوم مصنِّفًا كل علم على حدة، واعتبر أن إصلاح حال الأمة لا يكون إلا بإصلاح مناهج التعليم، وقد كتب كتابه هذا وعمره لم يتجاوز خمسًا وعشرين سنة. وفيه آراء ابن عاشور ـ رحمه الله ـ
وفي علم الحديث يرى أن يسد باب التسامح في إيداع الأحاديث الضعيفة في كتب الحديث ولو كانت في فضائل الأعمال (2) .
ويعد الطاهر بن عاشور من كبار مفسري القرآن الكريم في العصر الحديث، ولقد احتوى تفسيره"التحرير والتنوير"على خلاصة آرائه الاجتهادية والتجديدية؛ إذ استمر في هذا التفسير ما يقرب من 50 عاما، وأشار في بدايته إلى أن منهجه هو أن يقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين، تارة لها وأخرى عليها؛ فالاقتصار على الحديث المعاد في التفسير هو تعطيل
(1) انظر: المعجم الجامع في تراجم المعاصرين لأعضاء ملتقى أهل الحديث: 1/ 126.
(2) ... انظر: أليس الصبح بقريب: ص 169.