التوفيق أوله وآخره، والإخلاص ظاهره وباطنه، والسداد بادئه ومنتهاه، فهو نعم المولى ونعم النصير.
فكان ذلك العنوان الذي وقع عليه الاختيار هو"الإمام ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير، وعنايته بقاعدة الإظهار في مقام الإضمار جمعًا ودراسة"، وهي معجزة إلهية، وقاعدة بلاغية، عنى بها المفسرون لكتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ في طيات تفاسيرهم، وخصوصًا المتأخرين منهم، وبالتحديد أولئك الذين أعطوا الجانب البلاغي منهم حق العناية، فاستنبطوا منه حكمًا وفوائد جعلت المتأملين لذلك الكتاب المبين يقرون ويذعنون بأنه قول عزيز حكيم، وتنزيل رب العالمين.
ولأن التآليف في موضوعنا هذا عزيزة ونادرة، زاد ذلك من همتي، وشحذ أركان عزيمتي، في أن أخوض غمار لُجَجِه، وأمخر عباب بحره، عَلَّ الله أن يكتب لي فيه التوفيق والسداد، ويهب لي فيه شيئًا من البُلْغَة أتزود به ليوم المعاد.
وقد ارتأيت في هذه الرسالة مع هذه القاعدة نهجًا، وجعلت لي بها رسمًا أسير عليه في بيانها بما يفتح الله لي فيها من عظيم حِكَمِه، وييسر لي فيها من وجوه إعجازه، مع قلة المتتبعين لمظانها من المفسرين، وندرة المتكلمين في جلائها من المتخصصين، الأمر الذي ضيق علىّ نطاق البحث، وقَصَرَ عليّ طريق الركب، ولا أطيل ذيل الحديث، فإنه ذو شجون، ولنجعله فيما هو قادم من مباحث ومسائل هذه الرسالة ليزينها ببهرج من الحلاوة، ويضفي إليها رونقًا من الطلاوة، وسوف أقوم بتتبع كل المواطن التي أشار فيها ابن عاشور إلى هذه القاعدة أثناء تفسيره لآي الذكر الحكيم، في تفسيره التحرير والتنوير، وذلك من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة آل عمران، وسأُأَخِر ذكر طريقة دراستي لتلك القاعد تفصيلًا إلى حينه في الباب الأخير من هذه الرسالة حتى يكون قريب عهد بها، ولأن