وكانت الحضارات، أي ألجانب المادي من الثقافة، جزءأ لصيقة بها بحيث كان من الممكن أو اليسير أن تتمايز الحضارات بتمايز المجتمعات في العصور القديمة و الوسطى، ولكن عندما توسع التبادل بين المجتمعات في الجانب المادي من الثقافة، أي الحضارة، ازداد استقلال الحضارة عن الجانب الروحي الذي ظل فيه التبادل بين المجتمعات محدودة، وأصبحت الثقافة عنوان يختص بهذا الجانب الروحي أو المعنوي. وعندئذ اشتركت ثقافات متعددة في حضارة واحدة بعينها بعد أن كانت الحضارة في القديم جزءا من الثقافة.
ومن ثم انفصلت الحضارة أو كادت تستقل بنفسها عن الأصول الثقافية التي نشأت فيها، وذلك لسهولة التبادل المادي بين المجتمعات المختلفة، وصعوبة ذلك في الجانب الروحي الذي استقل أخيرة بمفهوم الثقافة
ويعني هذا أن المجتمعات والأمم المتباينة يمكن أن تشارك في حضارة عالمية واحدة بقدر سعة الانفتاح والتبادل مع سائر العالم، مع احتفاظها فما فاتها الخاصة
وكان لسيادة النظام الرأسمالي في الغرب الأثر المعجل في تجانس الحضارة العالمية، ولم يكن ذلك لفضيلة خاصة بالغرب، بل لطبيعة الرأسمالية نفسها التي ازدهرت في الغرب لعوامل موضوعية ساهمت فيها الحضارة العربية الإسلامية مساهمة الحافز والتحدي معا لأسباب مادية لا علاقة لها بالاعتبارات الدينية أو الثقافية بوجه عام. ومعظم السمات التي ذكرها
هنتنجتون» مميزة للغرب، هي سمات أو نتائج مباشرة للنظام الرأسمالي، الذي أسقط منها مؤلفنا، عمدة، وعن سوء طوية، السمة العالمية. الرأسمالية قائمة على المنافسة بكل درجاتها وأنواعها، داخل حدود الوطن الواحد أو خارجه، وهي في حاجة إلى مواد خام لا توجد إلا في أماكن أخرى من العالم، كما تتطلب أسواقا واسعة لتوزيع بضائعها، كما تفضل أعدادا هائلة من الأيدي العاملة الرخيصة التي لا تتوافر داخل حدود بلد واحد. ومن هنا كان الاستعمار الذي فتح الحدود عنوة بين أقطار العالم، وأشعل الثورات والحروب العالمية.