ومهما يكن من أمر الهيمنة هنا، أو التبعية هناك، والتبادل السلمي، أو الصدام الدموى، فإن قواعد اللعبة الجديدة فرضت نفسها رضا أم كرها على الجميع، مغلوبين أو منتصرين.
ولا يعني الانتماء لهذه الحضارة الواحدة، الألفة والمودة بين المنتسبين لها، نبي ليت مذهبا أو عقيدة. فقد حارب الألمان أولاد عمومتهم من الأجده ساکسون، كما دخلت إيطاليا اللاتينية الكاثوليكية الحرب مع ألمانيا ضد فرنسا اللاتينية الكاثوليكية
وهذه الحضارة السائدة ليست ثقاقة كما بحاول أن يخدعنا هتنجتون»، والا لكانت عقيدة ومبدأ للتبشير والشر بين من لا يؤمنون بها إذا أتيح
لأصحابها القوة والسلاح. فعندما دخل الإنجليز مصر أغلقوا مجلس شوري النواب، والمصانع، وحجموا التعليم، وكمموا الأفواه، وأنكروا الفردية وحرية الرأي، وهي كلها سمات الثقافة الغربية كما يقول صاحبنا. فالأمر كله مرهون إذن بالمصالح الاقتصادية والسياسية وفقا لقواعد اللعبة الحضارية الجديدة التي نرضخ لها جميعا، وليس الصراع ثقافيا، بل هو صراع بين مستويات مختلفة من النمو فالعناصر الثقافية أغطية الرأس لا تستر حقيقة الأوضاع المادية، والجميع، ونحن منهم، مدعوون للمشاركة في الحضارة العالمية الواحدة القائمة بالفعل، على تفاوت في المستويات، عن طريق المنافسة، وفقا لشروط اللعبة ومعاييرها.
غير أننا لا نستطيع إنكار بروز النزاعات الثقافية على سطح اللحظة التاريخية الراهنة. وواجبنا العلمي، بل والخلقي أيضا، أن نبحث عن أسباب ذلك، وليس كما صنع اهتنجتون، أن نجعلها هي نفسها السبب في تشكيل النظام العالمي الجديد.
فعندما بلح قول موجز، کبرشامة سهلة التناول، على السمع والبصر، فإنه ما يلبث أن يفرض نفسه تفسيرا مبذولا للجميع، ويدفع عنا مشقة البحث و التمحيص، ويصبح موضوعا للتعقيبات والتأكيدات، وخاصة إذا ما جاء على لسان شخصية بارزة في الغرب مثل هنتنجتونه، فيرقى إلى مستوى الحكمة والمسلمات، لأنه يصادف هوى في نفوسنا.