التفتيش عن جماعة أولية أو مرجعية تكون الأصل والملاذ معا، ويكون التعصب لها والعنف مع غيرها بمثابة الثوب الذي يستر العرى في خلاء العولمة، ولا يهم إذن افتقاد شروط العضوية العاملة في النادي الدولي، لأن دينا خصوصيتنا، وتراثنا، وأسلافنا، فهذا هو ظهرنا القوى، وتلك هي غنت في وجه محدثي النعمة من الفرنجة!
ويسمى رد الفعل، ولا أقول الفعل، أصولية. والأصولية بكل أنواعها وشعاراتها، نزعة ثقافوية، بمعنى أنها تثبت مجمل تاريخ الإنسان وسلوكه عند
أما أو متغير من عوامل أو متغيرات الثقافة، بحيث يغدو فطرة أو غريزة لا تتحول. وبالتالي يميز أمة عن أمة، أو بالأحرى، يميز الوعاء بشرية من نوع أخي، مرة واحدة وإلى الأبد، وإذا كانت الحيوانات تصنف بسمات بدنية، فإن البشر، عند هؤلاء، يصنفون في أغلب الأحيان، طبقا للعقيدة الدينية التي لا
تشمل موضوعات الطبيعة، بل بنظم الثقافة وعناصرها. ويتفق الأصوليون الإسلاميون مع أهنتنجتون، على أن محور التصنيف هو الدين
وعسانا نكشف الخلل في منطق أصحاب تلك النزعة الأصولية الثقافوية إذا ما تناولنا مسألة الثقافة والحضارة على أساس علمي.
الثقافة هي الكل المعقد المتشابك من أساليب الحياة الإنسانية والمادية، و غير المادية، أي الفكرية أو المعنوية أو الروحية التي ابتدرها الإنسان، و اكتسبها، ولا يزال يكتسبها بوصفه عضوا في جماعة أو مجتمع، في مرحلة معينة من تاريخ تطوره، تقدما كان أو تدهورة.
وللثقافة جانيان، روحي أو غير مادي، وهو الذي يضم القيم والمعايير و النظم والاعتقادات والتقاليد. والمادي وهو الذي يمثل التجسيد المحسوس تلجانب المعنوي فيما يصاغ من أدوات ومنشآت، وهو الذي نسميه حضارة، إذا ما كانت الجماعة المعنية مستقرة
وتتفاعل ثقافات المجتمعات المختلفة على كلا الجانبين على الوجه الذي تنشأ فيه ثقافات جديدة تتعاقب على كل مجتمع أو أمة لأن الثقافة ليست ثابتة جامدة، فليس لكل مجتمع أو أمة ثقافة واحدة لا تتغير على مر العصور.