فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 544

فما يسمى ب «العولمة، وهو أمر جديد لا يمكن إنكاره، إنما برد إلى سيادة الشركات العابرة للقارات التي ستفضي في النهاية إلى تحطيم قدرات الدولة القومية، ومنها أمريكا نفسها، وإلى تعظيم النزاعات الداخلية في نطاق الدولة الواحدة لإضعاف مقاومتها لسيادة السوق العالمي. ولم يكن سقوط الاتحاد السوفيتي سببا في استفحال العولمة، فقد انعقد في طوكيو مؤتمر السياسات النقدية والمالية العالمية، قبل ذلك بسنوات. وأصبح الهيكل العالمي الاقتصادي ناميا بمعدل يفوق نمو الاقتصاد القومي الأمريكي الذي تراجعت نسبته من 42? إلى 25? في الأعوام الأخيرة من معدل الناتج الإجمالي العالمي، ولم يعد الإنتاج رأسية داخل المصنع في دولة واحدة، بل توزعت أجزاء السلع إلى أنصبة مختلفة تنتجها دول متعددة. ويمكن القول على سبيل الايجاز، بأن العولمة تعني مصنع عالي واحد، وسوق عالمي واحد تهيمن عليه تلك الشركات الهائلة العابرة للقارات. وما يسمى بالقرية العالمية هو فرية مالية تفتقد علاقات القرية وتقاليدها الإنسانية.

ومن الأعراض أو النتائج الثانوية السيادة العولمة المالية، وتفكك الدول القومية ارتفاع أصوات النزاعات الطائفية والثقافية. ففي ظل هذه الأوضاع الجديدة يشتد حنين الإنسان إلى خصوصية صميمة وهو بحبا في بيئة متشابكة دربكة تنذر بزوال قضيته العامة، أو خصوصيته القومية

فالعولمة إذن هي غياب البعد الوطني أو القومي کفاعل مؤثر كما كان الحال في الرأسمالية السابقة، فالمؤسسات أو الشركات العابرة للقارات تخترق وحدة الدول القومية. وتقوم بتحطيم قدرات الدول على مواجهة الغزو الجديد الناتج عن قوانين السوق، وتضخيم الصراعات والنزاعات المناوئة للدولة، مثل المشكلات العنصرية والدينية لصالح تفكيك الدول، وتحويلها إلى دويلات عاجزة أمام سيادة السوق العالمية. وهنا تتفاقم مظاهر الفوضى والسيولة، و انعدام اليقين. ولابد أن يؤدي هذا إلى استجابات انفعالية متضاربة أبرزها وأعلاها صوتا هو البحث عن حضن دافيء في برد العراء الذي يحيط بنا من نتائج الانحسار والانكسار للذات القومية. وهكذا يتورط الجميع في حمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت