العملية كان تعبيرا عن قيم جديدة مضادة لفكر الإقطاع والكنيسة الكاثوليكية الحامية له آنذاك، واحتجاجا عليه.
بل إن هذا التراث الكلاسيكي في معظمه كان مدفونا أو مجهولا، ونقل إلى الغرب كما يعترف المؤرخون الغربيون، عن طريق الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس. كما فر به بعض البيزنطيين (أي الأرثوذوكس المحرومين من الحضارة الغربية في نظر مؤلفتا) من القسطنطينية إلى بعض مدن إيطاليا عام 1953 عندما فتحها العثمانيون. فكانت هذه المخطوطات بين أبدى هؤلاء، ولكنها لم تستثمر أو تستخدم إلا لأنها وجدت تربة فنية جديدة في مدن إيطاليا أو ثغورها البعيدة عن نفوذ الإقطاع، والتي كانت ساحة حوار موضوعي مع الشرق العربي الإسلامي، جرى فيها التبادل بين السلع التجارية والمنجزات الثقافية، مما أدى إلى تغيير علاقة الفئات الاجتماعية بعضها ببعض، وأنشأ فئات بورجوازية جديدة، أي سكان المدن من الطبقة المتوسهلة بين النبلاء والفلاحين، اتخذت من العودة إلى ذلك التراث، المضاد للنزعة الكهنوتية، ذريعة وقناعا بغلف تمردها، وتحول قيمها، ووعيها الذاتي الجديد بالإنسان.
لم يكن تراثا حقيقيا تاريخيا، بل كان تراثا مستعارة لخدمة أهداف جديدة، أو هو أقرب إلى نوع من اختراع التقاليد لتلبية حاجات جديدة للمجتمع الحديث.
ولقد صنع النازى، فيما بعد ما يماثل ذلك بالتراث الإغريقي عندما فسروا إبداعاته الكلاسيكية بردها إلى الغزاة الأقدمين من القبائل الآرية الجرمانية الذين نزحوا من الشمال واستقروا في بلاد الإغريق. وذلك لکي يزيلوا كل شبهة بتأثر الإغريق بحضارات الشرق والجنوب.
بل إننا نندهش من اهتنجتون، نفسه عندما يستبعد أحفاد الإغريق المعاصرين، ومن سبقهم، وينزع عنهم عضويتهم في ناد الحضارة الغربية
لأنهم ينتمون إلى الأرثوذوكسية. ولا أدري كيف يستقيم الزعم بالجذور الأصيلة التاريخية البعيدة في تراث الإغريق لحضارة الغرب، ثم يطرد منها