ويستدرك المؤلف قائلا بأن الغرب، فيما يتعلق بكل واحدة من تلك السمات، لا ينفرد بها دون سائر الحضارات. ولكن اتحادها معا في توليفة أو مرکب، هو الذي أتاح للغرب تفرده بها.
ولا نختلف مع المؤلف فيما أجمله من سمات مميزة للغرب الآن. إلا أننا نختلف معه إلى أبعد مدى للاختلاف، عندما يجعلها سمات تاريخية أو خصائص جوهرية أصيلة في الغرب قبل أن تجرى عمليات التحديث.
وقبل أن نناقش تلك السمات الأزلية» للغرب أرجو أن يلاحظ معي القارئ الكريم تركيزه على مصطلح التحديث: المحايدة لصرف الانتباه عن محتواه أو دلالته الاقتصادية والسياسية الخاصة بسياق تاريخي موضوعي معين، وكأنه معطف خارجي ميسور لأن ترتديه أي أمة أو مجتمع أو دولة في في زمن تشاء
فالواقع أن كل تلك السمات التي يدعي أنها كانت موجودة قبل ما يسميه بالتحديث، لم تنشأ قط قبل عصر النهضة، وهو العصر الذي يقرنه المؤرخون بالتحديث، وقد بدأ في القرن الخامس عشر أو السادس عشر في إيطاليا بحيث كان يسمى بالشنکوي کشتوه أي الخمسمائة. وتفاوتت أنصبة سائر البلدان الغربية منها، والتي لم تكن تسمى غربية إلا بعد قرون وعلى مراحل متباعدة، ولكنه لكي يثبت أصالتها الغربية القديمة استخدم بتوسع طريقة في الاستدلال، والتقاط المعلومات لا يمكن وصفها بأقل من الاستخفاف بعقل القارئ الرشيد. وقد يشفع له في ذلك القصور، أو يدينه على السواء، أنه ليس عالما أو مؤرخا بقدر ما هو مخطط استراتيجي سياسي امني.
ففيما يتعلق بالتراث الإغريقي الروماني کسلف عرقي مزعوم، نجد أن الأوروبيين لم يتذكروه أو بالأحرى، لم يوظفوه إلا عندما أحسوا بالحاجة إلى شعارات جديدة تشجع على الفردية والحرية الشخصية، وتمجيد مملكة الإنسان على الأرض، والرغبة في إعادة اكتشاف العالم والإنسان معا بعيدا عن سطوة الشروح الكنسية لسفر التكوين. وتغافل تماما عن الحقيقة التاريخية المعروفة وهي أن إحياء التراث الكلاسيكي وما اقترن به من النزعة الإنسانية، والحركة