ويزداد تعقد ملامح السياسة الخارجية؛ بسبب صعود حكومة إقليم كردستان، وإضفاء الطابع المؤسسي القانوني عليها، وتطبيق هذه الحكومة سياسة خارجية مستقلة بحكم الأمر الواقع، وهي سياسة لا تعزز مطالب الأكراد بالحصول على الاستقلال الذاتي الكامل فقط، بل تتعارض أحيانا مع أهداف السياسة الخارجية حكومة بغداد وطموحاتها أيضا. وإذا كانت حكومة إقليم كردستان لا تتحدث رسميا عن سياسة خارجية مستقلة فقد دأبت على محاولة وضع سياسات واضحة لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، وقامت بالتفاوض على إبرام عقود للنفط والغاز مع شركات النفط الدولية، وتوسطت بين حكومة تركيا وحزب العمال الكردستاني، وأدلت بدلوها في شؤون الأحزاب الكردية السورية.
بحثا عن طريق ثالث
الصورة الحالية للصراع في سوريا توحي بأنه لا مفر من تردي النزاعات الدائرة داخل العراق حول انحيازاته الإقليمية، لكن هناك طريقة ثالثة أمام العراق، وهو موقف عدم الانحياز، وعدم التدخل في منطقة تزخر بالصراعات المتزايدة. >
تلقي الحرب في سوريا الضوء على قصور القيادة الدبلوماسية الإقليمية في ما يلزمها من مصداقية وتوازن، في وقت يحاول فيه الشرق الأوسط التحول بعيدا عن الهيمنة أحادية القطبية التي تمارسها الولايات المتحدة، وإن لم يضع بعد الهياكل أو الإجراءات الفعالة اللازمة لدعم الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية. والعراق ليس البلد الوحيد الذي يفتقر إلى استراتيجية بشأن سوريا، ولكنه ينقصه ما قد يكون فرصة نادرة أمام واحدة من الحكومات القليلة المنتخبة في المنطقة، تمثل دولة متعددة الطوائف والأعراق، فرصة التجاوز الشرخ الإقليمي الذي تختلط فيه مصالح القوى الكبرى التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، بالسياسات الطائفية المسمومة على نحو متفاقم
وعد سوريا القضية الأكثر حسين في مجال السياسة الخارجية أمام العراق. لكن هذه الطوائف المتباينة بينها مصالح معينة مشتركة؛ أهمها ضرورة حماية بلادها من انتقال العنف إليها من الصراع الدائر في الدول المجاورة، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من ألف عراقي في خضم العنف السياسي في مايو 2013، كما تشير إلى أن شبح الحرب الأهلية في العراق ما زال ماثلا في الأفق. ولكن بدلا من بذل الجهود المتضافرة
للتوصل إلى حل سياسي للأزمة ذات الأهمية القصوى لمستقبل بلادهم، يبدو أن الحكومة والمعارضة قنعتا باتباع منهج رد الفعل، حتى عندما أصبحت الأطراف العراقية غير التابعة للدولة منخرطة في الصراع السوري على جانبيه.
ويبدو أن النهج الأكثر حصافة يسود في العلاقة الجديدة بين العراق والكويت، ويتمثل في التقدم المحرز على صعيد التجارة، واستئناف الرحلات الجوية بين البلدين بعد عقدين من الزمن، وفي دعوة الكويت الأمم المتحدة إلى إنهاء وضع العراق المقرر بموجب الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وكلها خطوات بدأت في تضميد جراح التاريخ الأليم بين البلدين.
كما يمكن التوصل أيضا إلى اتفاق في الرأي حول علاقات العراق مع القوى الصاعدة، خصوصا الدول الآسيوية المستوردة للنفط المنخرطة حاليا في عملية التصنيع، والتي أصبحت السوق الرئيسية لصادرات العراق الأساسية، وكذلك حول علاقات العراق مع الدول العربية التي تمر بمرحلة تحول، وتعمل بنفسها على تجريب الحكومات المنتخبة، ولا مصلحة لها في إفساد التجربة الديمقراطية العراقية. وتوحي مؤشرات سوق النفط في المدى الطويل بأن العلاقات الخارجية تميل إلى التحول شرقا. وفي الوقت نفسه، فالعراق مثل كل دول المنطقة؛ قد يسعى تدريجيا إلى تنويع تحالفاته ومصادر تسليحه الخارجية بعيدا عن الولايات المتحدة التي لا تزال الحليف العسكري والأمني الأساسي له، أما الدول الآسيوية مثل الصين والهند، فتؤكد في تناقض شديد مع الولايات المتحدة، نهج عدم الانحياز في العلاقات الإقليمية؛ لأسباب ليس أقلها أنها تستورد النفط من كل من المملكة العربية السعودية وإيران، ما قد يتفق وتطلعات العراق للقيام بدور أكثر حيادا.
لكن اللاعبين السياسيين العراقيين ما زالوا يستغلون العلاقات الخارجية للعراق كأداة لاكتساب السلطة داخل البلاد في المقام الأول، بدلا من تعزيز مصالح العراق في المنطقة، وجدير بالذكر أن الصراع في سوريا والعنف السياسي في العراق يتشكلان جزئية من خلال ميراث الحكومات المستبدة التي كانت تعتمد بشدة على الإكراه، وترفض أن تعطي المعارضة الفعالة مساحة لتتطور من خلالها تطور سلمية. كما أسهم ميراث الديكتاتورية والاستعمار في المنطقة في إيجاد الإحساس على نطاق واسع بمحدودية القدرة