الصفحة 17 من 103

ويعد غياب العراق مؤخرة كطرف فاعل في السياسة الخارجية مفارقة تاريخية؛ فالعراق - مثل مصر وسوريا - كان دائما من أكثر الدول تأثيرا في العالم العربي، ومن ثم فهو دولة يحاول الآخرون التأثير فيها، ومنذ عام 2003 باتت طبيعة التحول الذي طرأ على العراق في مرحلة الاحتلال وما بعده مثارة للنزاع الشديد، ما فتح الباب أمام الدول الأخرى ومنها من تشكيل تحالفات قوية مع فصائل داخلية على أساس مصالح كل منها في المنطقة على حدة. ومن ثم أدى بناء تلك التحالفات الفصائلية إلى اشتداد القصور الهيكلي في مؤسسات الدولة الداخلية، وتعقيد الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق في الرأي حول السياسة الخارجية

وتتباين الرؤى المتعلقة بهذه الموضوعات، وكثيرا ما يشوبها الاستقطاب الذي يتناسب إلى حد كبير مع الروايات المتضاربة حول النموذج الأساسي للسياسات العراقية الداخلية. فالذين يتصورون أن العراق منخرط بالأساس في عملية تحول ديمقراطي، عن طريق تشكيل حكومة أغلبية منتخبة في الأساس، يرون أن المحرك الإقليمي الأساسي هو جهود القوى الإقليمية الأخرى لإجهاض هذه التجربة الديمقراطية؛ من أجل حماية نماذج الحكم غير الديمقراطية التي تتبناها. إلا أن العديد من مؤيدي الحكومة العراقية يشعرون بالقلق الشديد من أن إطاحة نظام بشار الأسد في سوريا ستؤدي إلى تمكين بعض القوى داخل العراق وخارجه من القوى المعادية للحكومة العراقية، بل الدولة الوطنية العراقية وهكذا تنشأ مفارقة مأساوية؛ ألا وهي أن الكثيرين منهم الآن يعارضون إطاحة الحكم البعثي المستبد في الجارة السورية. أما منتقدو الحكومة العراقية من ناحية أخرى فيرون المشكلة من منظور عکسي؛ حيث يرون أن حكومة نوري المالكي تزيد من الشقة بينها وبين جيرانها - ومعظمهم من العرب والسنة - عن طريق تهميش العراقيين السنة في الداخل والارتماء في أحضان إيران. هذا الاستقطاب في الرؤي پغذيه ضعف المصادر المعلوماتية و تسييسها، وعدم وضوح عملية صنع القرار، وغلبة روح الشخصنة عليها وعدم اليقين (على سبيل المثال هل تعمل الحكومة العراقية فعلا على تيسير حركة المواد والمقاتلين لدخول سوريا، أم إنها تغض الطرف عنها وحسب؟) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت