هنا تم أيضًا إيراد لفظي العقل والعلم للدلالة على الجانب العلمي المتمثل في سريان المعلومات بين جهازي القلب والدماغ داخل آلية العقل القلبي كما حدث في الآية السابقة ولكن هنا تم إيراد الفعل الماضي للفظ العقل والفعل المضارع للفظ العلم كما نلاحظ هذه المرة إثبات صفة العقل وليس النفي كما في الآية السابقة أما الإثبات فيعني إن نفي العقل في النقطة السابقة لا يعني عدم وجود العقل للكافر بل يعني وجوده ولكن في جانب التغذية الجسدية لكل البشر مسلمين وكفار والتي أكسبت الكافر إسم العقل وإثباته في القرآن كما ظهر في إثبات العقل والعلم والمعرفة أعلاه ولكن القرآن يريد التمييز داخل البشرية بين عقل المسلم وعقل الكافر فتم ذلك بإيراد صورة الفعل الماضي للعقل ومعروف في اللغة إن الفعل الماضي يستخدم للدلالة على حدوث أمر في الزمن الماضي لأخذ العبرة من هذا الماضي والإستفادة منه في الحاضر أو المستقبل ولكن عند الكافر فلا عبرة ولا تذكرة نسبة لفقدان التغذية الروحية لذلك كان التوقف في الماضي فقط فلا حاضر للعقل الكافر إلا في هذه الدنيا فعلمها الظاهري عنده من هنا كان إياد الفعب الماضي لتويح أن الكافر يتوقف في الماضي ولا يستفيد منه لحاضره أو مستقبله ووضح ذلك من التحريف والإنكار للحق وهو ما عبرت عنه الآية بإثبات العلم للكافر في قوله (بعد ما عقلوه وهم يعلمون) فجمعت الآية بين لفظي العقل والعلم بالإثبات أي إثبات العقل والعلم للكافر ولكن أي عقل وأي علم مع التحريف والإنكار والجحود بالشرع والحق كما قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ {الأنعام/33} ) وقال تعالى (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ {النحل/83} ) والمعرفة هنا تتبع للجانب البشري بشكل عام ثم تكون معرفة المسلم التي تتميز عن الكافر كما هو الحال في العلم الذي يكون بشريًا في المرحلة البشرية ثم يكون علم المسلم الذي يتميز عن علم الكافر كما سيتضح لاحقًا فقط يكون الفرق بين المعرفة والعلم في المكان فالمعرفة تكون في القلب لأنها فعل القلب كما جاء في الحديثا (أنا أعلمكم بالله) وإن المعرفة فعل القلب لقوله تعالي {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [1] وهو طرف من حديث عائشة (قالت كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا أمرهم من الأعمال ما يطيقون قالوا إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتي يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) [2] أما العلم فهو المعلومات التي تتحرك من القلب حيث المعرفة أو العلم المعرفي إلى الدماغ والرجوع مرة أخرى للقلب في ما يعرف بآلية العقل القلبي بشقيها المرحلة الأولى والثانية
(1) سورة البقرة آية: (225) .
(2) فتح الباري، الجزء الأول، كتاب الإيمان، ص 70، والبخاري، كتاب الإيمان 12، باب 2 قول النبي صلي الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله، وإن المعرفة فعل القلب لقوله تعالي (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) .