البشر كبداية فطرية وطبيعية ولذلك جاءت آيات خاصة بالمؤمنين [1] والكفار كلها ورد فيها لفظ الاستماع كما إن الاستماع يجوز في حق جميع أو معظم الكائنات الحية وإذا تعطل الاستماع بهذا المعني سمي عند الأطباء بالصمم وهو صمم جسدي لا علاقة له بالصمم الروحي في القرآن كما تمت الإشارة إلي العمي الروحي في القرآن وهو أيضًا ليس العمي الجسدي الذي يتحدث عنه الأطباء وسيتضح ذلك كله لاحقًا.
كذلك إذا نظرنا إلي جانب آخر من جوانب الفرق بين السمع والاستماع وهو الجانب اللغوي نجده لا يختلف عما سبق شرحه فالاستماع لغويًا هو طلب السماع وهذا يدخل في الطلب الداخلي حسب ما هو موجود في القلب من دين باعتبار إن الأمور كلها في هذا الدين ينظر إليها قلبًا في المقام الأول ثم ينعكس ما في هذا القلب إلي الجوارح لتتم تسمية الأمور كلها على هذا الأساس القلبي وهنا الاستماع يكون بحسب ما يوجد في القلب من دين ليخرج طلب السماع وهو الاستماع وهذا يعني إنه إذا كان العبد صاحب فطرة سليمة وكان مجيبًا لداعي الله والفطرة كان يعني ذلك إن الله تعالي طلب منه الدخول في الإسلام فأجاب طلب الله وهو عبارة عن الإجابة لداعي الله وهو الرسول صلي الله عليه وسلم قال تعالي {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [2] ومن هذا المنطلق ينطلق المعني اللغوي لكلمة الاستماع بمعني طلب السمع ولكنه طلب للسمع من منطلق الطلب الأول الداخلي تبعًا للفطرة أي أجاب داعي الله وانعكس هذا في صورة طلب ثاني خارجي نابع من ذلك الطلب الداخلي الأول فتكون النتيجة طلب السمع بمعنى الإستماع فيستمع المؤمن بأذنه الخارجية من منطلق هذا المعنى لطلب السماع عند المؤمن أما الاستماع عند الكافر فهو طلب لسماع داعي الشيطان والهوي كما ورد على لسان الشيطان نفسه في الآية {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [3] فكلمة (دعوتكم) تعني طلب من الشيطان وتمت الاستجابة له ممثلًا في جملة (فاستجبتم لي) ونلاحظ هنا إنه لم يستخدم لفظ الإجابة بل الاستجابة لأن الاستجابة تعني الدخول في الطاعة بالجوارح أما الإجابة فهي تمهيدية قلبية لم تصل للجوارح والمعني هنا هو استجابة الجوارح في طاعة الشيطان والسرعة في التنفيذ وهذا يتلاءم مع لفظ الأمارة الذي يستخدم للنفس في صيغة النفس الأمارة بالسوء
(1) راجع ص 123، سورة الزمر آية (18) والأنعام (25) من حيث تشير الأولي للمؤمنين والثانية للكفار وكلاهما ورد فيهما لفظ الاستماع.
(2) سورة الأحقاف آية: (32) .
(3) سورة إبراهيم آية: (22) .