فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 1119

الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [1] . ولذلك كان من الواجب علينا التطلع إلي أحب الأعمال ألا وهي قيادة هذا الكون إلي الصفاء والنماء حيث التناسق والترابط والانسجام الوظيفي.

إن البشرية أخذت اتجاها مجردا في فهم الإعمار والاستخلاف، ركزت فيه فقط على المصالح والاحتياجات وكل هذا وإن كان مرغوب فيه ولكنه ليس المقصود، بل الخالق عز وجل هو من أوجدنا في هذا الكون وله ما في السموات والأرض، وبالتالي بمجرد الرجوع إلي الله تعالي يمكن فقط أن نبدأ بداية صحيحة وهذا يعني أن نبدأ بداية صحيحة في فهم الكون والاستخلاف في الأرض وهذا يعني مجرد الفهم وليس التطبيق. والرجوع إلي الله تعالي يعني الدخول في الإسلام والالتزام بشرعه الذي ارتضاه، مما يعني إبعاد أصحاب الديانات الأخري مهما فعلوا في هذا الكون من إعمال وتعمير، فلن يعدو مجرد كونه وسيلة فقط للوصول إلي الاستخلاف في الأرض وليس غاية. ولذلك فإن هذه الغاية هي التي يقع على عاتق المسلمين فهمها ثم تنفيذها بما آتاهم الله من بصيرة الإيمان لقيادة الأرض وتعميرها بما فيها من مسلمين وغير مسلمين باعتبار أن كل البشر يملكون القدرة على تناول هذا الإعمار بما يحملون من مؤهلات ومقومات تنصب في شكله الظاهري الخاص بالحوائج والمتطلبات ولكن هل هذا هو نهاية المطاف؟ وإذا كان هذا هو نهاية المطاف، فماذا تبقي لنا من إنسانيتنا وبشريتنا التي ميزنا الله بها وبما نحمله من عقول وعقول مسلمة عن بقية البشر من ناحية وبقية المخلوقات من جهة أخري، قال تعالي {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [2] .

وهذا هو الذي قادني للبحث في أعماق هذا الإنسان لرؤية حقيقته التي ينطلق منها إلي الخارج أو السطح لإعمار هذا الكون فكان ذلك الإنطلاق إلي الأعماق من منطلق ما أحمله من استعانة بالله خالق هذه الأعماق والداعي إلي التدبر فيها، قال تعالي {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [3] . وقد أبصر هذا العصر والعصور السابقة الكثير من أسرار وأعماق هذه النفس وهو ما تمت الإشارة إليه أعلاه من قدرات ومؤهلات البشر في إعمار هذا الكون ولكنها في غالبها جاءت مجردة من الباطن الخفي الذي ينتظر أهل البصيرة والإيمان، فانفصل العلم الدنيوي عن علوم الشريعة (وهذه هي مهمة إسلامية المعرفة التي لا تستطيع القيام بها إلا من أوتي القرآن وحظًا وافرًا من العلوم والمعارف الاجتماعية المعاصرة والمتوازنة بشكل كافٍ لاكتشاف ذلك التداخل المنهجي بين القرآن

(1) سورة الإسراء آية: (70)

(2) سورة الأعراف آية: (179) .

(3) سورة الذاريات آية: (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت