فرديته في التوجه إلى الله فلا ينبغي للمؤمن أن يفني نفسه في جماعة بحكم دواعي الموالاة الفطرية فينقطع بها عن ربه، و لا يجوز له أن يذوب نفسه في بشر آخر يحجبه عن ربه فإن البشر لا يملك من قدسية الله شيئًا ولا من تصريف الضر والنفع حولا ولا قوة إلا بالله
وأخطر ما يقتضي معني العبادة الخالصة أن الأعمال إنما تقوم بالنيات المتوجهة إلى الله والمطوية في النفس لا يطلع عليها سوي الله فبالنية يعقد العبد علاقة عبودية مع الله لا شأن فيها لطرف ثالث وذلك أن الناس مهما راقبوا ظاهر عمل الإنسان أو ضبطوه عاجزون عن الاطلاع على نيته - صادق هو أم منافق؟ - وهم أعجز عن إدراك التضاعف التي قد تحتويها النية فيتضاعف بها قدر العبادة في العمل الواحد فمهما اتحدت أعمال الناس وتشابهت في ظاعرها تخارجوا منها بأنصاباء متميزة في حساب العبادة لأن التكليف منسوب إلى وسع كل فرد والتحصيل رهن بألعاد نيته.
وإذا كان للعبد مشئته الذاتية الحرة ونصيبه المعني من التكليف تكيفه أحواله المخصوصه وله كسبه من العبادة تكونه المواقف والأعمال التي يتخذها للوفاء بذلك لتكليف مقدرة بحسب الخلوص في نياته - إذا كان ذلك فلا غرو من أن تكون المساءلة التي يقوم لها الناس بين يدي الله يوم مساءلة فردية -تحصى لكل فرد جملة عبادتة ويعرض علية كتابة وتقام علية الاشهاد ثم لا يشاركة احد في حسابة فليس لة الاما سعى ولا تزر وازرة وزر اخرى 0 وقد يقع العمل في الدنيا جماعيا يشترك فية الناس او يتبع فية بعضهم بعضا. ولكنهم يوم القيامة يلقون نصيبهم من حسابة افرادا لا يجديهم اعتزار ولا ملاومة تتقازف فيها التبعة 0
وقد يتقارب الناس في الدنيا او يتشابهون با عمالهم، واكنهم يتفرقون يون الفصل ويمتاز كل بما قدم من دين خالص في الأيام السالفة، فلا شفاعة إلا بإذن الله ولا يضار بما كسب غيره، ولا يقارب لهم الحساب كما يجزي أهل الأرض على العمل المشابه في ظاهرة ( {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (13 - 15) ، ( {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} سورة الجاثية(15) ، ( {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى} سورة النجم(38 - 41)
تألبف الجماعة: حينما تؤسس الجماعة بما تمليه الوحدة في ظروف الحياة الطبيعية او في أوضاع المجتمع البشري من غصبية عرق أو موطن أو حمية طبقة اجتماعية - حينئذ يتجه الهم الأعظم في الحياة نحو إعلاء الشأن العام تمكينًا لمعني ووجود الجماعة الذي تتحوز به من دون سائر - فإما اقتصر ذلك على إعزار قومية الجماعة وإظهار قوتها على الغير، أو تعلق بمثل عليا في تنظيم العلاقات الاجتماعية فيها. وفي مثل تلك الحلاات يزدهر شأن الفرد وتذهب الجماعة بكل التقدير لأن الأغراض المنشودة في حياتها لا تعني إلا الكافة ولأن تحقيقها لا يستدعى إلا تدبيرات ظاهرية عامة، فليس للفرد كثير ممما يختص به بل قصاري أمره أن يكون واحدًا في غمار جملة الأفراد المجندين لخدمة الجماعة ويضطرد ذلك