الاستعانة بغيره فإذا زال هذا الحاجز واستعان العبد بربه فقط أي طبُق ما قرأ من جملة (إياك نعبد وإياك نستعين) كان ذلك هو التوحيد. والاستعانة بغير الله باب طول يعني عبادة غير الله مما يعني مدى خطورة العلاقة بن الفرد والفرد إذا أخطأت طريقها.
وهنا كلُما زادت علاقة الفرد بنفسه كلما قلُ التوحيد والعكس صحيح كلُما قل اهتمام العبد بنفسه وذاته زاد اهتمامه بالآخرين وما يحتاجونه وزاد معه التوحيد وقلت الأنانية وبما أن القلب لا يترك حيُزًا للفراغ فإن كل جزء من هذه الهموم بمجرد خروجها من القلب إلى حيز الجوارح فإن مكانها في القلب لا يكون فارغًا بل يحل محله هم آخر أقوى وأكبر توجهًا ولذلك يجب الحرص على ما يحمله القلب ليكون خالصًا لله.
ولذلك كان من أهم أهداف الدستور الخاص الجانب التربوي فالدين لم يترك هذه النفس لتقع في المهالك والظلم فكان القرآن دائمًا ما يتحدث عن ظلم النفس وأكبرها وأعظمها الشرك بالله قال تعالى (ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفس ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيما) [1]
أما كيفية وضع القوانين فتؤخذ من القرآن والسنة والقياس والإجماع وبالتدريج المطلوب لأن النفس البشرية تواقة للتغيير ولكن الحل بما هو أفضل لها دينًا ودنيا هو المشكلة ولذا يتم إنزال القوانين هنا بتحويلها إلى علم والعلم بالشيء غير العمل به فكلّ وله سبله فالعمل يكون بالجوارح ويحتاج إلى الإيمان في القلب أما العلم فيكون من الصغر قبل البلوغ بل ويستمر بعد البلوغ إلى ما شاء الله ولذلك يجب الاستمرار في العلم والتعلم وإزالة الجهل حتى لو لم يتم العمل بما علم فالإيمان يحتاج لفترة طويلة ليرتقي العبد بإيمانه ومن ثم يخرج العمل بجوارح إيمانية خالصة مخلصة لله لا تهتز ولا تنهار تحت أي ضغوط وما أكثرها في هذا العصر وعملية تحويل الجهل إلى علم ثم عدم الإيمان إلى إيمان ثم عدم العمل إلى عمل تشبه انتشار الماء فه الأرض اليابس حيث يتم أولًا تحويل حالة الجفاف إلى أرض مروية تصلح لإنبات الزرع فيها أيًا كان وضع البذور فأحيانًا يغرسها الإنسان وأحيانًا تنقلها الرياح وأحيانًا تساهم الحيوانات في زرعها فيأتي الزرع للإنسان دون أن تكون له يد فيها أو في زراعة بذورها كذلك العلم إذا زرعته في قلوب العباد بكل الوسائل تأتي الثمار من حيث لا تدري وقد تأتي ثمرة من علم أخذه العبد من عشرات السنين لم ترتوي أرضه لنضجه وإنتاج ثمره إلا بعد عشرات السنين ذلك إن العلم غير العمل كما قلنا وإنك لا تهدي من أحببت ولا تدري متى يهتدي ولكن الله يهدي من يشاء ومتى يشاء قال تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) [2] ولذلك نجد القرآن لا يخاطب إلا العبد المؤمن لأن العمل لا يتم بإخلاص إلا عند المؤمن ولن
(1) -1 النساء 110
(2) - القصص 56