كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولائك لهم عذابّ عظيم) [1] والله تعالى هنا أورد الجانبين الأمر والنهي في نفس الآية ولكنه لم يأمر بالوحدة بل أمر بالاعتصام بحبل الله ثم نهى بعد ذلك عن التفرقة مما يدل على الآتي:-
1 -المعروف في الدين إن الأمر بالمعروف للاستطاعة أو حسب الاستطاعة أما النهي عن المنكر فلابد من الانتهاء عنه فورًا كما جاء في الحديث (( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم] [2] وبالتالي كان النهي في الآية الكريمة عن الفرقة حتى يتم الانتهاء عنه فورًا ولكن لا سبيل للانتهاء عن الفرقة إلا بالإيمان العالي كما قلنا ولذلك جاء لفظ التقوى في الآية مع الإستطاعة وقبل النهي عن الفرقة فمن لا يتقي الله فلا إيمان له ولا داعي أصلًا لنهيه عن الفرقة لذا قلنا أن الوحدة مقرونة بالإيمان العالي وهو ثمرة الاعتصام بحبل الله أو هو الاعتصام بحبل الله فلا يوجد هنا فاصل بين الفعل وثمرته لأنه نورّ على نور ولا يفصل بين النور والنور فاصل
والاستطاعة في الشرع مقرونة ببعض العباد وهم من ارتفع إيمانهم للدرجة التي تؤهلهم لهذه الاستطاعة فالاستطاعة مقرونة بالقلب والجوارح فما وسعه القلب حملته الجوارح عملًا وسعة القلب مقرونة بالإيمان ودرجته فكلُما زادت درجة الإيمان زادت السعة القلبية بنور الإيمان وانعكس ذلك في جوارح قادرة لا شعوريًا ودون جهد وتعب على العمل الصالح لكل أهل الأرض ورحمةً منه تعالى فقد جعل هذه الاستطاعة لفئة قليلة في آخر الزمان هي من تقوم بجمع الصف والوحدة والتمكين في آخر الزمان فالمهم هو هذه الفئة وكيفية إيجادها
أما الحديث عن بعض أسباب الخلاف الأخرى فلا بأس أن نذكر نسبة الخير والشر الموجودة في النص حينما يصطدم بالعصر أو زمن أو حتى بيئة فالعلماء جزاهم الله خيرًا قد وضعوا ما يعرف بالمصالح المعتبرة وهي قواعد عامة يرجع إليها أهل البصيرة والاجتهاد ممن ارتفع بهم الإيمان ليضعوا النقاط على الحروف فلا داعي للخلاف تحت هذا العنوان فقط المهم هنا الوضع في الاعتبار لكل فرد ودرجة دينه لأن لكل درجة فهم وتطبيق فيكون التركيز على المحاسبة الإيمانية و رفع الإيمان قبل المحاسبة على التطبيق وهو ما لا يلتفت إليه العلماء فيجب وضعه في الحسبان
كذلك إذا نظرنا إلى الشر نفسه أو الباطل فهو من الشيطان بمعنى أن الحوار بين العباد يجب أن يكون مفهوم منه مخاطبة الشيطان داخل أولائك العباد الذين وقعوا في الشر فالشيطان يجري مجرى الدم من العبد كما جاء في
(1) -عمران 103 - 105
(2) - البخاري 7288 ومسلم 1337