أن يكون الجانب العملي ملهم من الفطرة بمعنى أن يأتي العبد بالعمل الواقعي من مجرد الفطرة وبعدها بزمن يأتي الجانب النظري لها بطريقة تبصيرية من الداخل أو القلب أو الفطرة فيتعرف العبد على الجانب النظري لهذا الجانب العملي أعلاه ويدخل في هذا معظم الأعمال الصالحة المدرجة في قائمة أعمال الإحسان بين الناس كما هو معروف في الدين ومن قبل الإسلام أي في زمن الجاهلية حيث كانت العرب معروفة ببعض الصفات النادر حدوثها في العالم حولهم من كرم وأخلاق وأمانة ومروءة وغيرها هذا في الجانب العام أما تحديدًا بالنسبة للعبد المؤمن فإن هذا التطبيق العملي السابق للنظري يكون عبارة عن فتح من الله لهذا العبد أو ما يعرف بفراسة المؤمن أو الإلهام الرباني وكلها مؤشرات موجودة في الشرع قال تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) [1] وجاء في الحديث [حدثنا محمد بن اسماعيل حدثنا أحمد بن أبي طالب حدثنا مصعب بن سلام عن عمرو بن القيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ(( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) )] [2] .
أن يكون الجانب العملي جاء عن قصد وترتيب عقلي خارج نطاق القلب والفطرة أعلاه على شرط أن يكون هذا العمل بالجوارح ليس تابعًا للهوى الخاص بالنفس الأمارة بالسؤ وهو درجة من الإيمان رغم إنها أقل من النقطة السابقة ولكنها في سلم الترقي لأن العبد يستطيع رفع إيمانه ليصل إلى النقطة أعلاه وفي هذه الحالة الثانية يتم تحويل الجانب العملي إلى جانب نظري بالترتيب والتنسيق المقصود غير النظري أو غير الملهم.
العلاقة بين الجانب العملي واستنباط الجانب النظري منه وبين الجانب النظري وتحويله إلى جانب عملي:-
وهذه الحالة واضحة لأنها طبيعية وتعني أخذ النظريات ثم تطبيقها عمليًا بصورة طبيعية ومباشرة من هنا أصبح من الواضح أن العمل إذا وقع فعله من داخل الفطرة أصبح واقعًا تجريبيًا أو ما يسمى بالواقع كتجربة أما إذا نم أخذه من نظرية سابقة الوضع تمت قراءتها ثم بدا العمل بها فهنا يصبح واقعًا فطريًا وليس واقعًا تجريبيًا أو ما يسمى بالنظرية كواقع.
كذلك أصبح من الواضح أن الأصل هو وجود جانب نظري أي وجود نظرية سابقة الوضع تمت قراءتها ثم بدأ العمل بها وهنا تم تطبيقها وتحويلها إلى جانب عملي ولكن إذا حدث ارتفاع في صفاء القلب ودرجات الإيمان أخذت الجوارح جانبها العملي الواقعي من الذات أو الفطرة فيقوم صاحب هذا القلب بأعمال لم يتم أخذها من تطبيق لنظريات قرأها أو حتى سمع بها ولكن هي أعمال نابع مصدرها من الذات أو ما يراه في ذاته أو بصيرته قال تعالى 0 (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبّ يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار
(1) - البقرة 282
(2) - الترمذي كتاب تفسير القرآن 15 باب رقم 3127