وهذه العلاقة التي تربط الشرع بالعبد هي علاقة إرتباطية وثيقة الربط وبصورة معينة تبعًا لما خطط لها الشارع من منطلق علمه بما خلق، فأولًا وضع الإسلام فإذا ما اكتمل الإسلام بأركانه كان الإيمان، فإذا ما اكتمل الإيمان وأركانه كان الإحسان كما جاء في الحديث (عن عمر رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من أحد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، قال فما الإسلام؟ قال: شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، قال فما الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: في كل ذلك كان يقول له صدقت، قال: فتعجبنا منه يسأل ويصدقه، قال: فمت الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فما أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان، قال عمر فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بثلاث، فقال: ياعمر هل تدري من السائل؟ ذلك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) [1] .
هذا هو الإرتباط بين الشرع والعبد في صورته العامة ولكن رغم إنها صورة عامة إلا أنه لا يمكن لأي عبد أن يتخطى أي مرحلة من هذه المراحل - الإسلام - الإيمان - الإحسان دون إكتمال المرحلة التي قبلها، قال تعالى (قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وأن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم أعمالكم شيئاَ إن الله غفور رحيم) [2] ، ليس هذا فحسب بل جعل الله لهذا التوسع الإيماني أجهزته داخل جسم العبد وخارجه فالآية تشير إلى كليهما أي التشريع وتدرجاته وأجهزة العبد وتدرجها، فتجد الإيمان والإسلام في الجزء من الاية (لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا) وهي خاصة بالتشريع السماوي كما تشير الآية أيضًا إلى الأجهزة داخل جسم العبد وخارجه والتي تمثل الوعاء الذي تصب فيه الشريعة في الجزء من الآية (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) ودخول الإيمان يعني أنه دخل من حيز الجوارح حيث الإسلام إلى داخل القلب حيث اليقين ونوره الإيماني حسب تدرجهما داخل القلب والقلب هنا يمثل الأجهزة بالإضافة إلى الجوارح ضمنًا.
وبالتالي يتضح لنا أن العلاقة بين العمل والإيمان سواء كان على مستوى الفرد أو الجماعة أو الأمة كل يعتبر علاقة ظاهرية حسية لأن هناك علاقة أخرى تربط الإيمان بالعمل أكثر تفصيلًا من جهة الباطن كما سيأتي في المبحث القادم.
(1) الترمذي، الجزء الرابع، أبواب الإيمان، حديث رقم (1738) ، باب ما جاء في وصف جبريل لنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان - الإسلام - الإحسان.
(2) الحجرات (14) .