كذلك نلاحظ في كثير من سور القرآن وآياته كذلك نجد أن الآلية التي خلق الله بها ترتيب العمل في داخل جسم العبد تقول بأن القلب سابق للجوارح فالهم يسبق العمل ومكان الهم من القلب كما جاء في الحديث (حدثنا شيبان بن ضرمخ، حدثنا عبد الوارث عن الجهد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي عن بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها سيئة واحدة) [1] . فجملة (هم بحسنة ولم يعملها) تعني أن الهم سابق للعمل بدرجة جعلت منه عملًا لوحده كهم يؤجر عليه صاحبه كعمل قلبي حتى ولو لم يصدر العمل وكذلك جملة (هم بسيئة ولم يعملها) في نفس الحديث.
أيضًا مثال آخر، إذا نوى العبد بقلبه نية خالصة للقيام بأي عمل ولكن ألم به مرض أو أي عذر شرعي فإن الله يقبل منه تلك النية كعمل ويرفع عمله كاملًا رحمة مننه تعالى، والنية أيضًا من القلب وسابقة للعمل كما جاء في الحديث (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) [2] . (فلا يستقيم للجسد كله شئ من الأعمال حتى يصدر عن قصده ونيته، أي القلب وهو المسؤول عنها كلها لأن كل راع وكل مسؤول عن رعيته كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون والنظر في أمراضه وعلاجها ما تنسك به الناسكون وبالتالي فالقلب السليم هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة وتوكلًا وإخباتًا وإنابة وخشية وخلص عمله لله، فإن أحب أحب في الله وإن أبغض أبغض في الله وإن أعطى أعطى لله وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الإنقياد والتحكيم لكل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعقد قلبه معه عقدًا محكمًا على الاقتداء به وحده دون أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب وهي العقائد وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهية وتوابعها وأعمال الجوارح فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقة وجله ما جاء به
(1) البخاري، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة، باب (31) / 187 الجزء 7 - 8 ومسلم، الإيمان، كتاب الإيمان باب (59) حديث رقم 207، ص 118.
(2) البخاري، كتاب الوحي، باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، 1/ 9 برقم (1) ، ومسلم كتاب الأمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم، إنما الأعمال بالنيات وأنه يدخل الغزو وغيره من الأعمال، 3/ 1515 برقم (1907) .