فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 1119

كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام, فهذا هو الواقع, وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به, فيؤمن به, ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له, إذا كان قد شاهد الملك, كما قال تعالى في أول هذه السورة {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الاَن} الاَية.

وقال تعالى {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا باللة وحده} الاَيتين, وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الاَية هذا, لكان كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما, وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه, لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته, فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا, ألا ترى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق أو ضرب بالسيف أو افترسه سبع, فإنه لابد أن يؤمن بعيسى, فالإِيمان في هذه الحال ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه, والله أعلم, ومن تأمل جيدًا وأمعن النظر, اتضح له أنه هو الواقع, لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الاَية هذا, بل المراد بها الذي ذكرناه من تقرير وجود عيسى عليه السلام وبقاء حياته في السماء وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه, وتصادمت وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق, ففرط هؤلاء اليهود, وأفرط هؤلاء النصارى تنقصة اليهود بما رموه به وأمه من العظائم, وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه ما ليس فيه, فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية, تعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوًا كبيرًا, وتنزه وتقدس لا إله إلا هو.

ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان (قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له)

قال البخاري رحمه الله في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: نزول عيسى ابن مريم عليه السلام, حدثنا إسحاق بن إبراهيم, حدثنا يعقوب بن إبراهيم, عن أبي صالح عن ابن شهاب, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده, ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا, فيكسر الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد, وحتى تكون السجدة خيرًا لهم من الدنيا وما فيها» [1] , ثم يقول أبو هريرة اقرؤا إن شئتم {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} , وكذا رواه مسلم عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد كلاهما عن يعقوب به, وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من حديث سفيان بن عيينة, عن الزهري به. وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري به, ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن

(1) صحيح البخاري (3192) ، ومسلم (220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت