جالسًا ألف ركعة، فإذا صلى العصر، احتبى فأستقبل القبلة ويقول: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك [1] .
وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه منقبض فقلت: كأنك تكره أن تؤتي؟ قال: اجل فقلت: أو ما تستوحش؟ فقال: طيف استوحش؟ وهو يقول: أنا جليس من ذكرني [2] . وقيل لمالك ابن مغول وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ قال: ويستوحش مع الله أحدا؟ وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك فلا قرت عينيه، ومن لم يأنس بك فلا أنس، وقال غزوان: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي. وقال مسلم بن يسار: ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجات الله عز وجل. وقال مسلم العابد: لو لا الجماعة ما خرجت من بابي أبدا حتى اموت، وقال: ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم، ولا احسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدروهم وألذ في قلوبهم من النظر إليه، ثم غشى عليه. وعن إبراهيم بن أدهم قال: أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئًا، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت أو في بحر أو في سهل أو في جبل وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد وشوق الجائع إلى الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف. وقال الفضيل: طوبي لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه. وقال أبو سليمان: لا آنسني الله إلا به أبدًا. وقال معروف لرجل توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك. وقال ذو النون: من علامة المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلب حب الله تعالى أنس بالله، لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدًا. وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم علم أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وأن جميع العلماء من فوق فرق هذه الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث وما دل عليه مجملًا ومفصلًا، فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام ويضيفونه إلى ذلك الكلام في أحكام الاموال والأبضاع والدماء، وكل ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه، ويبقي كثير من علم الإسلام من الآداب
(1) اخرجهما أبو نعيم في الحلية (6/ 94، 195) .
(2) لا يصح مرفوعًا: أخرجه البيهقي في الشعب (709) ، وأبو نعيم في الحلية (8/ 217) عن محمد بن النضر ... ذكره، واخرجه ابن ابي شيبة (1224، 34287) والبيهقي في الشعب (680) وأبو نعيم (6/ 42) عن كعب الأحبار قال: قال موسى عليه السلام ... الحديث وانظر كشف الخفاء (611) وتمييز الطيب من الخبيث (226) .