فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 1119

بعضهم: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي على قدر قربه منه. وقالت بعض العارفات من السلف: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله فهو مخلص. فأشارت إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما: أحدهما: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه وقربه منه، فإنه استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى، لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل. والثاني: مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام، ويتفاوت أهل هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر. وقد فسر طائفة من العلماء المثل الأعلى المذكور في قوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بهذا المعنى، ومثل قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) والمراد مثل نوره في قلب المؤمن، كذا قاله أبي بن كعب وغيره من السلف [1] ، وقد سبق حديث"أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت". وحديث: ما تزكية المرء نفسه؟ قال:"أن يعلم أن الله معه حيث كان" [2] . وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة في ظل الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه علم أن الله معه" [3] . وذكر الحديث. وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) وقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) وقوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) وقوله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ) وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) وقوله: (وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله صلى الله عليه وسلم:"غن"

(1) انظر تفسير القرطبي تفسير سورة النور

(2) سبق تخريجهما

(3) إسناد ضعيف جدا: اخرجه الطبراني في الكبير (7935) وفي إسناده: بشير بن نمير وهو متروك كما قال الهيثمي في المجمع (10/ 279) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت