في السبت، واتخذوا عجلا له خوار، وقالوا لنبيهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} المائدة 24، فكان عاقبة أمرهم الخزي والذل والمسخ واللعنة {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} المائدة 78/ 79، وكذلك يطرد في كل زمان ومكان من أساء الأدب مع ربه بالإصرار على الكفر والجحود.
ولئن كان على قلوب هؤلاء الكفار أختامها وأقفالها، فإن أسماعهم أيضا مغلقة موصدة {وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف 179، وأبصارهم التي عَشِيَتْ عن التمييز وعَمِيَتْ عن الهداية قد لَفَّتْها غشاوة الضلال {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} ، {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} الأعراف 198، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} يونس 43، {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} الجاثية 23.
إن عقلية الأنعام التي تمسكوا بها وعكفوا عليها لم ترشدهم إلا إلى تصرفات الأنعام لذةَ طعامٍ وشرابٍ وتناسل، وزادوا على الأنعام أن عبدوا هذه اللذات، واتخذوها آلهة، ولذلك ختم الله على أسماعهم فلم يسمعوا الهدى، وعلى قلوبهم فلم تتشرب الهدى وجعل على أبصارهم غشاوة فلم تبصر الهدى، وهم لسفاهتهم هذه أحق بالعذاب العظيم الذي توعدهم به الرب عز وجل {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
يذكر المشتغلون بأسباب نزول القرآن أن هاتين الآيتين نزلتا في صناديد المشركين من قادة قريش، الذين قتلوا يوم بدر على الكفر، ولم يكن فيهم من مجيب أو مهتد أو ناج، ولم يؤمن منهم إلا رجلان هما أبو سفيان بن حَرْب، والحَكَم بن أبي العاص بعد أن ذاقا مرارة الهزيمة وتجرعا علقم الإحباط، برؤية النصر المؤزر الذي أكرم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم، بفتحه مكة وتحطيمه الأصنام، وعفوه عن المهزومين من موقف قوة وعز وتمكين، ولكن عموم الآيتين ينال المصرين على الكفر في كل زمان، لاشتمالهما على صفات وعلامات متى توفرت كان الإصرار والعناد والبعد عن الاهتداء.
ولئن كان العناد والإصرار صفة داخلية في النفس، فإن الآيتين بينتا للداعية علامات حسية ظاهرة، تدل على هذه النفسية المريضة، والعقلية المشوهة، أهم هذه العلامات أن تنصح للضال فلا يسمع، وأن تبصره فلا يبصر، وأن تتألف قلبه للحق فلا يقبل، وأن تستأنسه استدراجا للخير فلا يأنس، وأن تأخذه العزة بالإثم إذا أُنْذِرَ، ومن هذا طبْعُه على خطر عظيم، سواء كان من المسلمين أو من الكفار، لأنه يحمل بذور الختم على القلب بما ران عليه من عزة وشقاق واستكبار.