تمهيد:
معالم الفوز والتكريم
كان القسم الثالث من سورة البقرة مقدمة للقسم الرابع بما حواه من مجملات للعقيدة والشريعة وقواعد السلوك، ذكرت فيها أركان الإسلام الخمسة، وحدة توجه إلى رب واحد من خلال قبلة واحدة إيمانا وتوحيدا، وصلاة وزكاة، وصوما وحجا، وما يجمعها كلها برا وإحسانا، وما يحفظها ويحمي أهلها جهادا في سبيل الله تعالى هو قوام الأمر وسنامه.
أما هذا القسم الرابع والأخير فقد تميز بثلاث:
أولاهن تفصيل ما ورد في القسم السابق من أحكام مجملة أبلغ تفصيل، وبيان منهج تنزيلها في واقع الحياة العملية للمؤمن، بما يكفل إعادة بناء المجتمع الإسلامي الجديد الذي تشيد حصونه في المدينة، ليكون نموذجا تحتذيه بقاع الأرض التي يصلها نور الإسلام وشريعته.
بدأ أولا ببيان أسباب الفساد وطرق علاجه والمناعة منه، ومناهج الصلاح والإصلاح في الفرد والمجتمع، تكريسا للبر والإحسان في العلاقات والمعاملات وتثبيتا لنفوس طيبة تؤثر مرضاة الله تعالى فتبيع الدنيا وتشتري الآخرة.
ثم ثنى بغاية الوجود الإنساني في الأرض، وهي سعادته الدنيوية ونجاته الأخروية، وليس لذلك من سبيل إلا الإيمان والهجرة والجهاد.
ثم انتقل إلى بناء الأسرة المسلمة وهي النواة الأولى التي يقوم عليها حصن الإسلام ودولته، فحرم من المكاسب والمطاعم خبيثها وضارها خمرا وميسرا وأكلا لأموال اليتامى، ووضع أسس قيام الحياة الزوجية الكريمة وفاقا وولاء وأدب معاشرة بين الزوجين، وضوابط كفالة للأبناء وتنشئتهم وتربيتهم في حالتي العسر واليسر، والوفاق والشقاق. وبين أحكام الطلاق والرجعة والإيلاء والأيمان والكفارات والعدة في حالتي البينونة الصغرى والكبرى، وحقوق الزوجة والزوج وواجباتهما عند قيام الحياة الزوجية أو انفصامها بالطلاق أو الوفاة.
وبعد بناء نواة الأسرة المسلمة، عقب بثلاثية البناء الداخلي للنفسية المسلمة، عقيدة قتالية تحفظ العرض والأرض والدين، مبنية على جوهر التوحيد الخالص الذي لا تشوبه الأوهام والظنون، وعلى ولاء لا يخذله خوف من موت أو حرص على حياة.
ثم عاد إلى مواصلة بناء المجتمع في علاقاته المادية الاقتصادية إنفاقا في سبيل الله بغير منٍّ أو أذى، مفصلا أولوياته ومستحقيه، حلاله وحرامه، طيبه وخبيثه، مبينا عقب ذلك أحكام البيع والربا، والديون والرهن، في حالتي العسرة والميسرة، وضرورة توثيق العقود، وواجب الإشهاد عليها حفظا لوحدة صف المسلمين، ودرءا لأسباب الخلاف والخصام والشقاق بينهم.