تقديم
بنو إسرائيل: انحراف عن الجادة وعزل عن الإمامة وتمهيد للأمة الخاتمة
العنوان العريض لهذا القسم، من الآية الأربعين في سورة البقرة إلى الآية الثالثة والعشرين بعد المائة، هو بنو إسرائيل وقد أخذ الله عليهم الميثاق وفضلهم على العالمين، فما ارتفعوا إلى مستوى المسؤولية، وما ارتقوا إلى مراقي العز والفضيلة التي انتدبوا لها، وما تحرروا من أغلال الهوى والأنانية وخبث الطوية والشك المفضي بأهله إلى الهلاك.
وتحت عنوان هذه المسيرة اليهودية، من إبراهيم وبنيه إسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، إلى مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كان التعريج بالإشارة والعبارة، والتصريح والتلميح والتعريض، والتحذير والتذكير، للمسلمين من عاقبة اتباع خطواتهم، والسير على سيرهم، والتطبع بطباعهم، لأن ذلك مدعاة لورود موردهم غضبا من الله تعالى عليهم، وسوءَ عاقبة في الدنيا والآخرة.
لقد عُرِض شرفُ حملِ أمانة الاستخلاف وإمامة البشرية على بني إسرائيل، وآتاهم الله تعالى من الآيات ما به يهتدي مَن صَدَقَ بحثُه عن الحق وطلَبُه للهدى، إلا أن ما وقر في عقولهم من غباء، وما ران على قلوبهم من خبث وفساد، جعلهم لقمة سائغة للشيطان يفترسهم في كل زاوية من زوايا تاريخهم الطويل، وكانوا بحق كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 175/ 176.
لقد قال عنهم رب العزة تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} الجاثية 16، فلما عصوا وتجبروا كان مصيرهم قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} المائدة 60، وقوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} المائدة 78/ 79.
والمصير نفسه هو مآل من يسير سيرتهم ويتيه تيههم ويجحد جحودهم، من كافة أمم الرسالة الإسلامية، ممن ذكر القرآن أخبارهم ومن لم يذكر، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} غافر 87. ولا شك أن المصير نفسه يتهدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيما اؤتمنت عليه من رسالة التوحيد وما استخلفت فيه من إمامة البشرية وقيادتها، ولئن خاطبها رب العزة تعالى بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران 110، فإنه تعالى حذرهم مصير