أعمى أبصارهم {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} ، أي أن حب عجل الذهب (المال والدنيا) ملأ قلوبهم وأغلق منافذها، فلا تنفذ إليها دعوة الحق، ولا تتسلل إليها، وهذا ديدن يهود في كل عصر منذ سرقوا حلي الأقباط في مصر وصنعوا منها عجلهم، إلى عصرنا هذا وهم يمارسون كل أنواع الغش التجاري معاملات مغشوشة، وربويات مالية هابطة، وفنونا من السرقة لأموال الأمم والشعوب لا تخطر إلا على الأبالسة والشياطين. لذلك عقب تعالى على هذه التصرفات الدنيئة بقوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وهوخطاب جمع بين ذمهم بما وضع لغةً لمجامع الذم وهو لفظ"بئس"، وبين التهكم بهم لتناقض أعمالهم مع ما جاءت به توراتهم، وبين التشكيك في ما يزعمون من إيمان، وهم لذلك إما كاذبون في دعواهم، وإما أشد جهلا إذ يعملون ما يتعارض مع تعاليم الدين ولا يشعرون. خطاب يؤمر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لليهود: إن كان إيمانكم هو الذي أمركم بما ترتكبون من آثام فبئس الإيمان إيمانكم، لأنه لا علاقة له بشريعة التوراة وأوامرها ونواهيها، ولكنه إيمان دنيوي شيطاني تلبستم به وتترستهم به في مواجهة الحق الذي جاء به موسى فعصيتموه وجاء به محمد فكذبتموه. وهو ما يقال أيضا في كل عصر لمن يتاجرون بالعلم أو بالدعوة الإسلامية على أبواب أصحاب النفوذ والجاه والسلطة، أو في أسواق النخاسة السياسية، تجسسا على الصادقين، ووشاية بأولياء الله المخلصين، من الذين نذروا أنفسهم لتبليغ الرسالة غير مبتورة أو محرفة: بئس ما يأمركم به علمكم ودعوتكم إن كنتم دعاة أو علماء.
قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) } سورة البقرة