لذلك عقب تعالى بذكر مصير المتصفين بهذه الأخلاق الذميمة الدنيئة في كل زمان ومكان بقوله: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} ، أي رجعوا متلبسين بغضب الله المضاعف، واحتملوا عقوبتهم المستحقة المقدرة المعادلة لكفرهم، عذابا مهينا مذلا في جهنم، من فعل"باء يبوء"أي رجع، واحتمل، وعادل، إذ ليس لكفرهم معادل إلا الخلود في النار، كما يقال: باءَ دمُ فلان بدم فلان، إذا عَدَله وقُتِل به وصار دمُه بدمِه.
وكعادة المنافقين في كل عصر إذ ينكرون الحق الذي عند المحقين، ويتظاهرون بالمعرفة والدين، ويعتزون بما لديهم من الإثم والباطل عن علم وهم شاهدون، كان بنو إسرائيل إذا خوطبوا بالقرآن وقد أنزل من الله للبشر كافة، مصدقا ومؤيدا لما في التوراة والإنجيل، تذرعوا بمعاذير كاذبة، وتترسوا بادعاء أن دينهم أمرهم ألا يؤمنوا إلا بكتابهم التوراة، وأن يكتفوا به وحده، ويكفروا بما جاء بعده ولو كان مصدقا للتوراة شاهدا بصحتها، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} ، لذلك رد القرآن عليهم حجتهم المزيفة بفضح ادعائهم الإيمان بالتوراة ونعى عليهم تناقض عملهم وما يزعمون أنهم مؤمنون به، وأحصى عليهم ثلاث نقائض صارخة تنفي إيمانهم بالتوراة:
أولها قوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، أي قل يا محمد لهم إن التوراة التي تزعمون الإيمان بها والاكتفاء بها تحرم عليكم قتل النفس البشرية مطلقا وقد خاطبكم التوراة بما أخبرنا به القرآن الكريم من قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} ، وأنتم اجترأتم على قتل أشرف النفوس وأكرمها عند الله، نفوس الأنبياء والمرسلين، فمن أين لكم استباحة الدماء عامة ودماء الرسل بخاصة؟
وثانية نقائض بني إسرائيل وتناقضاتهم الفاضحة تذكيره تعالى بما سلف من كفر آبائهم وعودتهم إلى الوثنية بمجرد غياب نبيهم موسى لميقات ربه، وهو تصرف لا يشي بثبات الإيمان في قلوبهم أو رسوخه في أفئدتهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} ، فهل التوراة التي تزعمون الإيمان بها هي التي أمرتكم بعبادة العجل؟
وثالثة الأثافي عندما سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من ربهم يكون لهم مرجعا في أمر دينهم ودنياهم، ثم جاءهم به فاستثقلوا تكاليفه وأعرضوا عنه، ثم عادوا لقبوله بقولهم: {سَمِعْنَا} خوفا من الطور المرفوع فوق رؤوسهم، فلما خلصوا إلى الأمن عصوا فلم يطبقوا تعاليم التوراة وأحكامه، وقالوا بأعمالهم وتصرفاتهم: {عَصَيْنَا} ، وهو الحجة الثالثة على عدم إيمانهم إيمانا صحيحا بكتابهم الذي يتترسون به، في مواجهة الحق الذي أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} وما كفرهم وجحودهم ورفضهم دعوة الحق إلا لما ركب في طباعهم من حب للدنيا أشربته قلوبهم وكفر بالآخرة