قال الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) }
إن هذا القرآن كنز أسرار، ومشكاة أنوار، وروض من الثمار والأزهار، وعلم لا يسعه مداد السموات والأرض، ولو جيء بمثله مددا، وليس من مفتاح لأسراره ومغاليقه إلا أن تؤمن موقنا بأنه من عند الله تعالى.
مفتاح واحد من القلب السليم، به ترفع الأستار، وتشرع الأبواب وتنكشف الأسرار، فتنشرح القلوب والأفئدة، ويعطي القرآن ما لديه من كريم الأحجار وعاطر الأزهار وساطع الأنوار، مرفرفا بصاحبه في عوالم الرحمة واللطف والسعادة بين أخيار الملكوت، وسادة عُبَّاد ذي العظمة والكبرياء والجبروت.
لذلك تعترض من يتدبره على مراحل، أسئلة للتذكير والتحذير، وكأنها تخاطبه: تذكر أيها القارئ، أنك تتلو كلام الله، فيه ما هو بمستطاعك فهمه لأنه تربية وتكليف تسأل عنه، وفيه ما هو فوق عقلك، يختبر به إيمانك ويقينك، أقبل وتابع مؤمنا مسلما، أو استمدد إيمانا إن كنت تستجلي أخبارا وأسرارا {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} آل عمران 7.
لذلك عندما يسأل العبد في الفاتحة الهداية إلى صراط الله المستقيم، يعرض له مفتاح الجواب والاستجابة، إنه قوله تعالى: {الم} ، يتناوله بعقل إيماني نير، وقلب سليم خير، وتسليم مطلق لرب العالمين، ولسان مفصح عما في الضمير من اليقين {آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، فيقبل عليه الجواب، وتَنْهَلُّ عليه الاستجابة {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ} .
لقد حاول أكثر المفسرين الاجتهاد في شرح معنى هذه الآية {الم} ، وذهبوا في ذلك مذاهب شتى، وصاغوا في بيانها مقولات كثيرة يضيق المقام عن استعراضها. من ذلك قولهم بأنها مع جميع الحروف المقطعة المشابهة لها أسماء للسور التي افتتحت بها، وقولهم إنها إشارة من الله إلى أن القرآن مؤلف من هذه الحروف التي يُنْطَق بها وتُصاغ بها